لم تكن صدفة مزعجة وحسب تلك التي أربكتني أمام اجابة صبية فلسطينية، قدمت الى الأردن من دولة الامارات العربية، لاستكمال دراستها الجامعية، حين سألتها: من أين أنت؟ فقالت: من فلسطين. فقلت لها: من أين في فلسطين؟ فسكتت!
 
الصبية تلك وهي في السابعة عشرة تقريبا من عمرها، تشبه جيلا طويلا عريضا من شباب وشابات الشعب الفلسطيني في الشتات، والذين لا يعرفون عن قضية وطنهم أكثر مما يعرفه أقرانهم في بنما!
 
انه من المؤلم بل ومن الكارثي، أن تصل الأمور بنا كعرب بشكل عام، وكفلسطينيين خاصة الى هذه الدرجة من الاستسلام الطوعي، لمخطط حذف الذاكرة الجغرافية والتاريخية، التي مارسها وما يزال الاحتلال الاسرائيلي على الأرض، وكرستها ظروف الشتات والاندماج في دوامة العيش بسلام.
 
ففي الوقت الذي لعبت فيه اسرائيل بجدارة لعبتها الخبيثة، في تغيير أسماء القرى والبلدات والمدن الفلسطينية، بل وحتى الشوارع كما راقبنا قبل عدة شهور في مدينة القدس، نجد أن بعضا ولن أقول الكل من أهالي هؤلاء الشباب، لا يكترثون كثيرا بمصيبة طمس معرفتهم الشخصية، لماضيهم القريب. وأنا حين قلت البعض كنت أعني "البعض الكثيرين"!
 
ما زلت اذكر وبحزن طفولي ضعيف، تلك الخريطة المعلقة على سبورة المدرسة في حصة الجغرافيا، والتي تظهر كيف اندثرت القرى والبلدات الفلسطينية تدريجيا على يد الاحتلال، حتى استوطن اللون الأصفر المقيت بغالبية المساحة، في مقابل اطلالات خجولة للون الأخضر على الخريطة. هكذا تماما شعرت حين سكتت الصبية أمام سؤالي الصعب!
 
وأنا لو سمح لي المجال لاستمزاج آرائكم بشكل مباشر، كنت سأسمع قصصا يشيب لها الولدان، من سذاجة ضياع الموروث الوحيد الذي تبقى لدى الفلسطينيين، وهو ذاكرتهم، مكرسين بلامبالاتهم تلك تصنيفا عنصريا، يحبون أن يطلقوه على المهجرين، "الحاضر الغائب". وهذا لن يكون بعيدا عن الواقع، حين تجد نفسك مذهولا أمام رد شاب في العشرين من عمره، تسأله عن بلدته الأصلية، فيقول لك انه من مخيم اليرموك!
 
هذه القصة أخبرني بها أستاذ جامعي متألم جدا، وأكد أنها ليست المرة الأولى التي يسأل ويجاب عليه بردود مشابهة. وقد سألني بمرارة، ان طمست الأسماء فكيف ستنجو القضية؟
إذا .. فقرى مثل اجزم والمنسي ولفتا وبيت دجن وزكريا وعنابه وبيت دراس والمسمية وجبل المكبر ويالو وخربة اللوز ودير ياسين، وغيرها الكثير من الأسماء، منها التي دمرت بالكامل أو تلك التي تستنشق هواءها بصعوبة، عليكم جميعا أن تعيدوها الى قيد الحياة، بأسمائها وسماتها وبرتقالها وشاطئها ورائحة خبز طابونها.
 
رددوا على مسامع الأولاد أهازيج الأعراس وترانيم المساء، وأخبروهم وهم يأكلون المسخن والمفتول ورشتة العدس، كيف كانت جداتهم يجهزنها من طلعة الشمس، وقربوا رائحة تراب بيرزيت وضجيج ميناء حيفا وحلاوة عنب حلحول الى حواسهم، حتى وان لم تختبروها حقا!
ليس بيدكم حيلة غير تلك، لكن أن تخجلوا من قراكم الفلاحية، أو تستسلموا لخطة الذاكرة الممحية، أعتقد أنه عيب!

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ   الآداب