المسألة برمتها محصورة تحت عنوان واحد "أخلاقيات المهنة الصحفية". ربما أكون واحدة من أسعد المواطنين العرب الذين تلقوا نبأ مقتل معمر القذافي على أيدي الثوار "رغم نفي رئيس المكتب التنفيذي الليبي محمود جبريل موضوع أيدي الثوار هذا". ومؤكد أن سبب سعادتنا جميعا ينطلق من الوعد الإلهي المحتوم أن لنا في الحياة قصاصا. وسبب آخر هو اجترارنا طعم الغيظ ونحن نشاهد بأم أعيننا رؤساء ومسؤولين متجبرين أطاحت بهم شعوبهم بعد عهود الظلم والظلام، ومايزالون ينعمون بمساحات زمنية تسمح لهم بالخروج أمام كاميرات الأخبار، حليقي الذقون!
لكن أن تقوم قنوات إعلامية تحترم نفسها، بنشر صور وفيديوهات، تظهر الرجل قبل دقائق من مقتله، مجرورا ومسحولا ويتلقى الصفعات من هنا وهناك، فإن الذي تعلمته وما أزال في مهنة الصحافة، يدعوني الى التفكر قليلا بمصير أخلاقيات الإعلام، وفكرة تهاويها تماما أمام آلية السبق الصحفي وإشباع الشغف الإنساني بالانتقام والشماتة، ولو من خلال صورة!
إنها الصورة إذن، ذلك السحر المتعالي المتفوق الواثق بنفسه وسيطرته وجاذبيته. إنها الصورة التي أسقطت رؤوسا وحطمت حواجز ومهدت لحروب وثورات وعمليات اغتيال. أفهم تماما أنها صارت صاحبة الجلالة في دنيا الخبر الصحفي وأقدر وقعها الذي طالما كان له دور إيجابي في قلب الطاولات على أصحابها. لسنا بعيدين جدا عن صورة محمد الدرة الذي بكيناه وهو يدفع بالرصاص عن جسده بكف يده، ولا عن إبراهيم السوري الذي تهالك فوق صدره النحيل أطباء يحاولون استعادة دقات قلبه الصغير. ولا عن ذلك الشاب المصري الذي وقف أمام مركبة الأمن وهي ترشه بالماء وتهدده بالقتل دهسا.
هذا مفهوم ومقدر بل ومطلوب جدا، في ظل التهاوي القصري للرواية الشعبية أمام الروايات الحكومية كافة بلغة وسائل الإعلام الرسمية. لكن أن تنتقل معركة الصورة الى استباحة إنسانية الإنسان، فهذا عيب وغير أخلاقي بالمرة. وحين أقول إنسانية لا أقصد بالطبع الخلق الإنساني الذي نتفق جميعا على وفاته المبكرة بالنسبة للقذافي، بل أقصد حقه الطبيعي الذي تكفله جميع الشرائع السماوية ومواثيق الشرف الحقوقية والصحفية، حقه في الموت وتلقي القصاص بدون صور تشهد على إهانة جسده وتُشهد الآخرين عليها.
وهذا ليس ترفا نبيلا لا يستحقه قاتل شعبه وسارق خيراته، بل هو خلق كان على تلك الفضائيات أن تتبعه وتكتفي بصور ثابتة تعزز قيمة الخبر.
سيقول قائل إن اليوتيوب ووسائط الاتصال السريعة، كفيلة بنقل تلك الصور التي تم التقاطها أصلا باستخدام تلك الوسائط. وإنه لو غابت الصور عن الشاشات الصغيرة، فإنها ستعتاش وتترعرع في أحضان الشاشات الأصغر! جيد، لكن أن تتنافس المحطات الفضائية مع تلك الوسائط وتمعن في النشر والإعادة لصور القذافي وهو يقتاد مرة على ظهر مركبة ومرة على مقدمتها، ثم نسمعه وهو يتمتم بكلام غير مفهوم "أساسا كل كلامه لم يكن مفهوما طيلة اثنين وأربعين عاما!"، ثم وهو يمسح دمه ويتلقى صفعات الثائرين على عقود ظلمه وتعنته، فإنني أسأل وبكل غرابة: ما الفائدة؟
أعرف أناسا كثيرين ممن يكرهون القذافي وكانوا يتمنون موته، لم يستطيعوا أن يكملوا تلك المشاهد. وأعرف آخرين شاهدوا الصور ولم يجربوا إعادة الكرة ثانية. وهذا يؤكد نظرية غلبة الأخلاق على الحاجة للإشباع بالنسبة للمشاهد العادي غير الراصد للحراك الإعلامي ورسالاته الممغنطة! فما بالنا بالاختصاصيين والعارفين ببواطن الأمور؟ سؤال لا ينتظر إجابة؛ لأنها ستأتي متأخرة جدا!
بقلم: حنان كامل الشيخ.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ الآداب