ياسر عثمان جادالله
داعية سوداني
اختص الله تعالى شهر رمضان بشرف عظيم، وهو نزول كتبه إلى أنبيائه لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ففي المسند عن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان".
واختص الله القرآن بليلة عظيمة مباركة في هذا الشهر الكريم هي ليلة القدر التي لما أراد الله أن يعبر عن فضلها وشرفها قال:"وما أدراك ما ليلة القدر".. أي أنه لا يعلم قدرها حق العلم بما فيها حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أطلعه الله عليه بوحيه هو البعض مما لهذه الليلة من الشرف والمكانة عند الله تعالى ولهذا فسر كلمة(القدر) من فسرها من العلماء بالشرف الرفيع والمكانة العالية عند الله تعالى التي لا تساميها مكانة ليلة من الليالي.
وحتى شرف قدرها عند الناس أنهم ينالون فيها ما لا ينالونه في غيرها فهي(خير من ألف شهر)، وانظر رحمك الله إلى دقة التعبير القرآني"خير" يعني هي ليست مثل أجر عمل ألف شهر بل هي"خير" أي أفضل وأعلى، وكم هذا الفضل الزائد؟
والخيرية المطلقة؟ هذا ما اختص الله تعالى نفسه بعلمه، ولهذا عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الخير بنفس إطلاق القرآن"فيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم".. وكم هي الألف شهر؟ على التحقيق (83.3) عام...
|
ثم ما هو العمل المقصود في هذه الألف شهر؟ لم يحدده القرآن وإنما تركه مطلقا ليشمل أي عمل من أعمال البر، وكل عل من أعمال القلوب والجوارح، بهذا الإطلاق الواسع يكون ما يُنال في هذه الليلة المباركة أجر كل جهاد وكل عبادة عملية من صلاة وصيام وصدقة وحج أو عمرة،وأجر كل عبادة قلبية من الصدق والأمانة ووفاء بالعهد وصبر وتوكل وإنابة وخشية، وباختصار كل عمل من أعمال البر، فهي إذن ليلة شريفة منيفة عظيمة القدر والجناب..
وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يجعل وقتها غيبا مستورا وسرا مكنونا لا يطلع عليه إلا الله تعالى حين يأمر ملائكته بأن ينزلوا إلا الأرض ليملأوها سلاما ورحمة ونورا وضياءا وعظمة وبهاءا"تتنزل الملائكة والروح فيها" والروح هو جبريل عليه السلام وهو أمين الوحي وسيد الملائكة، وهذا يعني امتزاج الملائكة النورانية بأرواح البشر التي استنارت في رمضان واستحقت في هذه الليلة أن تستنير الأرض التي يعمرونها بنور الملأ الأعلى، ولهذا احتفى العلماء بالبحث في أمر العلة من إنزال الملائكة في هذه الليلة، فقال ابن رجب في لطائف المعارف:( إن الملوك والسادات لا يحبون أن يدخل دارهم أحد حتى يزينوا دارهم بالفرش والبسط ويزينوا عبيدهم بالثياب والأسلحة فإذا كانت ليلة القدر أمر الرب تبارك وتعالى الملائكة بالنزول إلى الأرض لأن العباد زينوا أنفسهم بالطاعات بالصوم والصلاة في ليالي رمضان ومساجدهم بالقناديل والمصابيح، فيقول لهم الرب تعالى: انتم طفتم في بني آدم وقلتم "أتجعل فيها من يفسد فيها" فقلت لكم"إني أعلم ما لا تعلمون" اذهبوا إليهم في هذه الليلة حتى تروهم قائمين ساجدين راكعين لتعلموا أني اخترتهم على علم على العالمين).
وإنما كان ذلك غيبا مستورا حتى يشمر الناس في طلبها ويجتهدوا في إدراكها، وتعلو هممهم لذلك لعل هذا هو الذي جعل رجلا عابدا صادقا مثل عبدالله بن مسعود(ابن أم عبد) رضي الله عنه يقول كما أخبر عنه أبي بن كعب رضي الله عنه عندما سئل عن وقتها قال"إن ابن أم عبد يزعم أن من أقام الحول لم يفلتها" وهذه همة عالية عالية..
ولعل النبي صلى الله عليه وسلم بدأ رحلة البحث عنها ليكون لنا قدوة في التشمير في طلبها، فقد جاء في الأخبار عنه صلى الله عليه وسلم أنه طلبها في العشرة الوسطى من رمضان ثم طلبها في العشر الأواخر من رمضان ثم استقر أمره صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال:"التمسوها في العشر الأواخر من رمضان" وزاد في التسهيل حين قال" فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي"، وقد بلغ عشق الصحابة عليهم الرضوان لهذه الليلة أنها صارت في أحلامهم ورؤاهم حتى قال لهم الحبيب صلى الله عليه وسلم" أرى رؤاكم قد تواطأت على أنها العشر الأواخر من رمضان فالتمسوها فيها".
وأما ما ينال بها العباد فضلها فيكفي ما أوضحه الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم من حديث جعفر بن محمد مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من أتى عليه رمضان صحيحا سليما صام نهاره وصلى وردا من ليله وغض بصره وحفظ فرجه ولسانه ويده وحافظ على صلاته في الجماعة وبكّر إلى جمعة فقد صام الشهر واستكمل الأجر وأدرك ليلة القدر وفاز بجائزة الرب عز وجل"أخرجه ابن أبي الدنيا.
ولعل سنة الاعتكاف هي أهم الوسائل لإدراك فضل هذه الليلة المباركة حيث إن الاعتكاف كما قال العلماء في معناه وحقيقته"قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق" قال ابن رجب رحمه الله "كلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية".. رزقنا الله خيرها وفضلها، وكتب لنا أجرها وثوابها وشرفنا بإدراكها وبلوغها، إنه ولي ذلك والقادر عليه، آمين آمين.
المراجع
شبكة المشكاة الاسلامية
التصانيف
تصنيف :مجتمع
login |