يحرص الوزراء المعنيون بملف الانتخابات النيابية على طمأنة الرأي العام، بأن الحكومة جادة في التصدي لشرور المال السياسي والاتجار بذمم الناس وأصواتهم، وتدلل على صدق نواياها، بما تضمنه قانون الانتخاب الجديد من عقوبات مغلظة بحق كل "الأشرار" فاسدين ومفسدين.
أنا لا أشكك بنوايا الحكومة بهذا الشأن، ولا في سعي أجهزة الدولة لرسم صورة وردية للسباق الانتخابي، تبدد الصورة السوداوية القاتمة التي طبعت الانتخابات الماضية.
يبقى السؤال الأهم: هل بمقدور الحكومة وأجهزتها، لجم المال السياسي وشروره، استنادا فقط إلى التشريعات القائمة، قديمها وجديدها؟!
أنا أشك في ذلك، ولا أشكك في النوايا كما قلت: كيف؟ ولماذا؟
شرور المال السياسي ليست فقط شراء أصوات ووعود بعطايا يوم الانتخابات، إنها أوسع وأشمل من ذلك بكثير.
هل يدخل في باب الرِّشى الانتخابية، مثلا، توزيع "الزكاة" وفق جداول "انتخابية" من مرشحين أفراد أو جمعيات "خيرية" محسوبة على تيارات سياسية، أو أشخاص يستخدمونها لغايات النفوذ السياسي والاجتماعي، وكذلك توزيع طرود "الخير" في رمضان والأعياد الدينية، وكذا المساعدات النقدية "للفقراء" والأرامل والمساكين.
والكثير من المسارات التي يلجأ لها البعض (أشدد على كلمة البعض) التي ظاهرها عمل الخير وهدفها الحقيقي شراء الولاء والذمة.
ثم، كيف يمكن أن "ندين" مرشحا كامل الدسم من "توظيف" (500) كادر في حملته الانتخابية مثلا، براتب شهري مقداره (300) دينار أو أكثر لكل منهم.
استناداً إلى أي تشريع يمكن إدانة أعمال "الخير" المشار إليها وأشكال التحايل "القانوني" لشراء الولاء.
النتيجة التي سنكتشفها جميعا، عندما ينطلق السباق الانتخابي، أن "العين بصيرة واليد قصيرة" وسنكتفي بالتندر ورواية القصص والأخبار.
في تقديري المتواضع، لا يمكن الحد من (ولا أقول منع) تأثير المال السياسي، إلا من خلال إصدار تشريع قانوني يحدد السقف الأعلى لإنفاق المرشح في الحملة الانتخابية، يلتزم المرشح بموجبه، بفتح سجلات مالية صحيحة توضح أشكال الإنفاق على الحملة الانتخابية.
وتكون هذه السجلات تحت رقابة الهيئة العليا للانتخابات، ومثل هذا التشريع معمول به في العديد من الدول.
مثل هذا التشريع، يوفر عدالة وتكافؤ فرص بين المرشحين، في الدعاية الانتخابية ووسائل الاتصال وفي أوجه الإنفاق الأخرى التي تتطلبها الحملة الانتخابية.
ليس من العدالة أن يهيمن اصحاب الأموال الغزيرة على المشهد ويلوذ المرشح غير المقتدر بالحرمان.
كذلك من العدل، من وجهة نظري، حصر جمع وتوزيع الزكاة بالدولة ولجان الزكاة المستقلة عن أي انتماء سياسي، كذلك المساعدات العينية والنقدية.
المال السياسي ذكي، "وحربوق"، يستطيع أن يتسربل حيث يشاء، ويلبس طاقية الإخفاء إذا لزم الأمر.
ليس بالنوايا الحسنة وحدها، نصون النزاهة والعدالة بل بالإجراءات العملية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة بسام حدادين جريدة الغد