الشيخ عادل بن سعد الخوفي .

 
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد :
 
الاستشارة ميدان خِصب ؛ لنيل الحسنات ، ورفعة الدرجات ، وتفريج الكربات ، والمستشار على خير كبير إن قام بما يجب عليه ، وأعطى الاستشارات حقَّها ، قال صلى الله عليه وسلم : ( و من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته و من فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ) ( رواه البخاري رحمه الله ) ، ويقول علي ابن أبي طالب رضي الله عنه : ( من كثرت نعم الله عليه ، كثرت حوائج الناس إليه ، فإن قام لله فيها بما يجب عليه ، عرضها للدوام والبقاء ، وإن لم يقم لله بما يجب عليه عرَّضها للزوال والفناء ) ( المستطرف من كل فن مستظرف ) .
 
ومن هنا . . يجب على المستشار الأسري اعتماد سياسة واضحة المعالم في إجابته على الاستشارات التي تُعرض عليه ، مثل : ( توضيح أساس المشكلة ، وتحديد أبعادها ، رفع همة المستشير ، وتأكيد الجوانب الإيجابية لديه ، البعد عن السرد ، ووضع حلول واقعية وعملية ، دراسة الأبعاد النفسية والاجتماعية والعاطفية والإيمانية لدى المستشير ، تدعيم الاستشارة بالمَثل والقصة والشواهد الشعرية والحقائق العلمية ، وقبل هذا وذاك ، الإحساس بعظم المسئولية تجاه المستشيرين ). 
 
حينها يدرك المستشار أن الردود السطحية ، أو الإجابات السريعة والعاجلة ، لا تحقق أهداف الاستشارة ، ولا تشبع المستشير ، بل تسهم في تأخير العلاج ، وتراكم الهموم ، وفقد الثقة في العلاج .
 
كم من أخت ، وهي من لا حول لها ولا قوة ، مُتَنَفَّسها مَخَدَّة فراشها ، تُريق عليها دموع الحزن ، والألم ، والحسرة ، مدرارا . .
 
وكم من أخ ، حار فكره ، وطار عقله ، اختلطت أمامه الحقائق ، فالنهار ليل ، والليل نهار ، لا يدري أي الطريق يختار . .
 
هذه وذاك وأمثالهما كثير ، يحتاجون إلى مشورة مُشْبِعة ، تنقلهم من الإحباط إلى التفاؤل ، ومن السلبية إلى الإيجابية ، ومن العزلة إلى الاجتماعية ، ومن قيود الأرض إلى رحابة السماء .
 
إن الإجابة من خلال الشبكة العنكبوتية ، تحتاج منا أن نأخذ بيد المسترشد لنخاطبه من زوايا عديدة ، إيمانية كانت ، أو نفسية ، أو شرعية ، أو اجتماعية ، ولنوظِّف في العلاج ما يتيسَّر من آيات قرآنية ، أو أحاديث نبوية ، أو أبيات شعرية ، أو قصص ، أو أمثال وحِكَم ، فإننا لا ندري أي هذه الأدوات تؤثِّرُ فيه . 
 
وكذا ينبغي تأمل قول عائشة رضي الله عنها : ( مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ فَإِذَا كَانَ الْإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ ) ( رواه البخاري ) ، قال الإمام إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى : ( إِذَا تَخَالَجَكَ أَمْرَانِ ، فَظُنَّ أَنَّ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللَّهِ أَيْسَرُهُمَا ) ( كتاب الآثار ) ، والقاعدة الفقهية الكبرى تقول : ( المشقة تجلب التيسير ) ، وفرعها : ( الرضا بأهون الضررين لدفع أعلاهما إذا لم يكن من أحدهما بد ) .
 
فاليسر والسماحة والتخفيف من خصائص شريعتنا المباركة ، وقد شرعت لتتلائم مع اختلاف الناس وطبائعهم ، في مختلف الأزمان و البقاع .
 
ولذا يجب إعطاء الاستشارة وقتها الكافي ؛ لدراسة أبعادها ، وتحديد أسبابها ، والخروج بالمسار الأمثل لعلاجها . . مع العمل في أن يكون المستشار حال الإجابة عن الاستشارة مطمئن النفس ، طيب الخاطر ، فلا يكون مشغولاً ، أو مهموماً .
 
ومع هذا لا يلزم أن يجد المستشار نفسه في كل استشارة ، فقد لا يفتح الله على أحدنا في استشارة ما ، أو يجد نفسه مشغولة عنها ، أو مضطربة في تحديد مسبباتها وطرائق علاجها ، فما العيب في طلب إحالتها إلى غيره !! لعلَّها تجد من يقوم بها على الوجه المطلوب .
 
ومن هنا فزيادة الحصيلة العلمية لدى المستشار ، وتنمية مهارات التعامل مع المشكلات وعلاجها ، مطلب أساس في نجاح المستشار ، ومن ذلك :
  1. التقرب إلى الله سبحانه بالتزام أوامره والبعد عن منهياته .
  2. الابتهال إلى الله بأن يجري الخير على يديه ، وأن يكون مفتاحاً للخير ، مغلاقاً للشر .
  3. الالتحاق بالدورات الأسرية ، التي تعنى بفن التعامل مع الناس ، وفن الحوار ، وغير ذلك ، والتزام حلقات النقاش المتخصصة . . فمن الأهمية أن يكون المستشار عالماً بما سيحكم فيه ، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره وإدراكه ، والعلم هنا على ضربين : علم بالشرع ، وعلم بالحال : وهو إدراك الواقعة، محل الاستشارة إدراكاً جيداً، مبنياً على معطيات صحيحة، خالياً من المؤثرات الآنية وكلاهما هام . 
  4. خوض التجارب في علاج المشكلات ، ومُحباً للوصول بالمسترشد إلى السعادة التي ينشدها ، قال القرطبي رحمه الله : ( وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلاً مجرباً وادّاً في المستشير ) . وعليه فاطلاع المستشار على أحوال مجتمعه ، ومعرفته بالسلوكيات الإيجابية والسلبية المنتشرة ، وأسلوب معيشتهم ، واهتماماتهم ، وطبائعم ، من أبرز الأولويات لدى المستشار . ويمكن تعويض قصور التجربة بالاستفادة من تجارب السابقين، والالتحاق بالدورات المتخصصة كما ذكرنا .
  5. قراءة الكتب المتخصصة في الحياة الأسرية ، والتعرف إلى أسباب الاتفاق والاختلاف بين أفراد الأسرة .
  6. الاطلاع على الاستشارات الأسرية التي كتبها المتميزون من أصحاب هذا الفن ، وتأمل الجوانب البارزة فيها .
  7. التزود بالقصص والشواهد الإيجابية والمشرقة من حياة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، وسيرة السلف الصالح .
 
وأخيراً لنتأمل هذه الرسالة الجوابية من مسترشدة إلى موقع ( المستشار ) ، ولنتأمل أثر الاستشارة ، وعظيم أجورها الأخروية ، وجميل آثارها في على الأسرة والمجتمع ، وأن هذه المهمة العظيمة ، وِسَام على صدور القائمين بها :
 
تقول أختنا الكريمة :
 
( هذه رسالة شكر وتقدير وعرفان بالجميل ، أتمنى أن لا تعتبروها رسالة شخصيه فقط ، بل أتمنى وضعها بقسم الاستشارات الأسرية ، وجعلها متاحة للقراءة للجميع ، فمنذ سبعة شهور قبل الآن ، كنت إنسانة محطمة تعيسة بائسة ، ولم يكن لعائلتي مستقبل ولا تعرف حياتي الاستقرار) .
 
وسبحان الله فبفضل الله ثم فضلكم فلقد استعدت ثقتي بنفسي ، وحافظت على بيتي ، وتغيرت نظرتي لنفسي ، حقا والله العظيم تغيرت نظرتي لنفسي ولبيتي ولزوجي والحمد لله .
 
كنت قبل الاستشارة شبه عازمة على إنهاء حياتي الزوجية ، رغم قسوة القرار على نفسي ، إلا أنه كان خياراً متاحاً أمامي ، بل وذو سطوة على أي خيار آخر .
 
وبعد قراءة ردكم العاقل الهادئ الشافي بعد الله عز وجل ، فلقد قررت المحاولة وأعطيت نفسي وبيتي وزوجي فرصة أخرى ، وأحمد الله تعالى ، ثم أشكركم ، أنني اليوم والحمد لله إنسانة أخرى ، سعيدة فخورة ببيتي وزوجي وأولادي .
 
شعرت أنه من واجبي تجاهكم أن أخبركم أنني إن كنت ما زلت زوجه ، فهذا بفضل الله ثم فضلكم ، وإن كان بيتي مازال قائما فهذا بفضل الله ثم فضلكم ، وإن كانوا أولادي ينعمون بدفء البيت بين أب وأم وحياه طبيعيه ، فهذا بفضل الله ثم فضلكم ، بل والله إن صلاح حال زوجي ، وصلاح أمر دينه ، والتزامه ، واعتدال أمره ، لهو بفضل الله ثم بفضلكم .
 
والله إن كان الأمر بيدي لتقاسمت معكم الأجر الذي احتسبته عند الله ، عندما صبرت ، واحتسبت ، وعملت بنصيحتكم ، وحافظت على كيان البيت ، أبشروا فزوجي الآن ، والحمد لله والمنة ، لا يترك فرضاً إلا و أداه ، ولم يعد لبصره إلا أن يغضه ، أراه وأحسبه وأتمناه كذلك ، وقمنا جميعا بفريضة العمرة ، و أسأل الله أن يكتب لنا الحج ، اللهم آمين ، ولم يجرحني بفعل أو بقول منذ ذاك اليوم .
 
بارك الله فيكم ، وجعله في ميزان حسناتكم ، وفرج عليكم كرب الدنيا والآخرة ، كما فرجتم عليًنا كربتنا .

المراجع

موسوعه المستشار

التصانيف

الحياة