بكى من بكى، واحتج من احتج، وناح من ناح على أنباء الإساءة إلى القرآن الكريم في جوانتانامو، زوبعة أخرى من زوبعات أمة الشجب والاحتجاج والبكاء. نعم أمتنا التي اعتادت أن تنتصر لشرع الله بالنواح والشجب والبكاء وكلها صور من صور العجز، ولن ينتصر شرع انحصر الانتصار له بمثل ردود الفعل هذه. وقد كتب أخي الكريم زين العابدين الركابي مقالاً بعنوان "كلكم يبكي على المصحف ... فمن ينصر القرآن بالعمل: بتحفيظه والتعريف به؟" وكعادته قدم الكاتب القدير برنامجاً عملياً مؤصلاً لكيفية نصر القرآن الكريم بالتوسع في خطط "تحفيظ القرآن" والتعريف بإعجازه البياني والنفسي والتربوي والتشريعي والعلمي، وفَصل في كل واحدة منها وأجاد وأنهى مقاله بالدعوة لنصر القرآن بالعمل وفق ما فَصل.
وأنني أشارك أخي الكريم في تشخيصه للقضية وبما أنني نويت الكتابة في الموضوع ووجدت في مَقاله جزءاً مما كنت أود الكتابة فيه فقد قررت أن أساهم في عرض القضية من زاوية أخرى لعل المعنى يقوي المعنى ويعمق الفهم في قضية كيفية نصر شرع الله.
ولذلك فإنني سأبدأ عرضي بأن أطرح على القارئ الكريم بعض الأسئلة التي ستعين على الوصول إلى المعنى المبتغى. أي الأمرين أعظم قدسية عند الله وأكبر حُرمة هل حرمة الكعبة المشرفة "بيت الله" أم حرمة دم المسلم؟ وأي الأمرين أعظم عند الله تدنيس أو إهلاك أو حرق كتاب الله أم تدنيس الحرمات التي جاء كتاب الله ليذود عنها ويحرمها ويجعلها مقاصد عليا للشريعة الإسلامية وحرقها ومحوها من أرض الواقع؟..
وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً ناظراً إلى الكعبة فقال "ما أعظمك وما أعظم حُرمتك عند الله وإن دم المسلم لأشد حُرمة عند الله منك"
إن التفاوت غير المنطقي وغير المؤصل شرعاً في ردود فعل الأمة الإسلامية إزاء الجرائم التي توجه إلى شرعها تحتاج إلى وقفه فاحصة. يُقتل أطفال أبرياء وتسفك دماء أرواح طاهرة من النساء والأطفال برصاص معتد مغتصب عدو غاشم على مرأى من العالم الإسلامي ليل نهار وفي كل مرة يراق فيها دم بريء لواحد منهم يكون ذلك في معيار السماء، في المعيار الرباني،  عند خالق السماوات والأرض والجن والإنس، عند الله، أكبر من هدم بيت الله "الكعبة المشرفة" وبذلك فإنها لا تشرق شمس على أمة الإسلام في أيامنا هذه إلاَّ وقد ارتكبت على الأرض جريمة في حق الشرع هي عند الله أكبر وأعظم من هدم الكعبة ولا نجد من ردود فعل تتعامل مع الجريمة والحدث بما يستوجب التعامل معه بالمنطق الشرعي والرباني والإنساني.
ولا يحسباً أحد أننا نهون والعياذ بالله من جريمة امتهان كتاب الله العظيم أو التعدي على بيته العتيق فتلك جرائم كبرى في موازين الشرع والعقل لاكن هذا التفاوت غير المؤصل شرعاً، وغير المفهوم منطقاً في ردود فعل الأمة على جرائم قرر الشرع الحنيف خطورتها وشناعتها يمكن أن يشخص بأنه حصيلة ثلاثة أمراض ابتليت بها الأمة.
أولها: الجهل بالمقاصد العليا للشريعة الإسلامية والجهل بكيفية تحقيق هذه المقاصد وإحيائها بفقه وعلم في وجدان المسلمين وواقعهم.
وثانيها: سطحية وشكلية النظر للقضايا حتى أصبحت بعض الشعائر أشبه ما تكون بالطقوس وحركات الجوارح وقد فُرِّغت من محتواها واخليت من مضامينها وضلت مقاصدها فتقدَّس الشعائر لذاتها أما المعاني والقيم والأهداف والغايات والمقاصد التي جاءت الشعائر لحمايتها فلا بأس من أن تدنس بل وتجتث من جذورها حتى لا يبقى لها من أثر في حياة الواقع.
وأما ثالث الأمراض: فهي ظاهرة التبلد، وإن كانت هذه الظاهرة من طبيعة البشر إلاَّ أنني أراها أكثر شيوعاً في أمتنا ومجتمعاتنا فالحدث أو الجريمة العظيمة في حق الأمة والتي تستوجب ردود فعل عظيمة لا تلبث أن تفقد عظم وقعها على الأمة بقدر تكرار حدوثها وبذلك تكونت علاقة عكسية بين تكرار وقوع جريمة أو تدنيس حُرمة من نوع واحد مرات عديدة وبين قوة رد الفعل الناتجة والمتولدة نتيجة الحدث.
ومثال ذلك قتل طفل بريء في فلسطين عمداً برصاص المحتل والذي هو بمثابة قتل الناس جميعاً ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قَتل نفساً بغير نفسٍ أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا﴾ المائدة: 32
قتل هذا الطفل قبل عشر سنوات كان له من التأثير عشرات أضعاف قتل عشرات الأطفال اليوم.
فبالجهل بالمقاصد العليا للشريعة الإسلامية وكيفية تحقيقها وسطحية وظاهرية النظر للقضايا مع تفشي ظاهرة التبلد ازاء الجرائم التي تنهال على أمتنا ومجتمعاتنا نتجت ردود أفعال أذهلت العالم بتفاوتها في الكيفية والشدة.
أمراض تحتاج إلى علاج وتحتاج إلى إعادة تربية الأمة وتفقيهها وتوعيتها مما يلقي على علماء الأمة وفقهائها ومفكريها المسؤولية العظيمة والعبء الكبير.    
                                                                                               
 
 
 
 
 

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

تاريخ  التاريخ حسب الفترة الزمنية  تاريخ إسلامي   العلوم الاجتماعية