النعجة السوداء

 

لم تستفق بعد من دهشتها امام هذه المدنيّة التي صدمتها منذ ان لفظتها إحدى اقصى قرى الجنوب الى هذه البلدة المتمدنة التي تنقسم احياؤها جزرا مذهبية . ما زالت تصطدم كل يوم بمفرادت جديدة ليس اقلها موراني, روم,  كوتالي*.  حاولت ان تعدل لهجتها لتبدو مثل باقي رفيقاتها في الصف فتحيي مثلهم ب"بونجور" بدل "الله معكن" و"مادموزيل" بدل "معلمتي" , فينطلقون ضاحكين فيما هي تنكمش منزوية تقضم اظافرها وربما شيئا ما تحت الاظافر ايضا.
 
اليوم هو موعد درس التعليم الديني. دخلت الاخت "سيسيل" الصف فوقف الجميع احتراما وحيوا بصوت جماعي جهور "بونجور ماسور" . جلست الاخت سيسيل وراء منبر يرتفع قليلا عن مستوى الغرفة إلا انه كان اضيق من ان يغطي عرضها فقد برز من كلا الجانبين رداؤها الاسود الطويل الفضفاض . . . وضعت نظارة فوق عينيها , قلبت في صفحات كتاب سميك موضوع فوق المنبر.

 

ـ درسنا اليوم عن سيدنا نوح
 
كان الصغار يتطلعون في وجه محدثتهم بعيون شاخصة, يعلم الله وحده ماذا تخفي هذه العقول التي لم يزد عمر اكبرها على دزينة من الاعوام . . . ضربت العبارة مسمع الفتاة فحيرتها , سيدنا نوح؟ ! . . . التعليم المسيحي كما عرفته في قريتها الجنوبية تتردد فيه كلمات  العدرا يسوع , حنا, متى , بولص بطرس, أما نوح ! ! . . . وتذكرت:  كان والدها يذكره بين الحين والاخر في جداله مع الساهرين من اصحاب وجيران في ليالي الشتاء قبل وبعد انتهاء "دق" لعب الورق. وعلى ما يستطيع عقلها الصغير ان يستوعب فان والدها ما تكلم يوما عن نوح باحترام . ثم تذكرت اكثرالنبي موسى الذي كان يصفه بالساحر وإصراره على ان ديننا يبدأ من عند العدرا مريم , السلام لاسمها, ويوسف النجار, كل ما قبلهما كذب بكذب.
 
 كانت تمتلئ فخرا عندما ترى ضيوف ابيها يصمتون موافقين فالرجل له عليهم دالة فهو قد امضى بضع سنوات من طفولته في دير للرهبان في الناصرة.
 
كانت الاخت "سيسيل" تتكلم وكانت كوكب مأخوذة بشكلها اكثر مما هي ماخوذة بكلامها الذي لا يهادن . فالاخت "سيسيل" تشبه جذع شجرة الجميز التي كانت في وسط ساحة قريتها الجنوبية, ثخينة وقصيرة, وقد كانت الصغيرة مأخوذة بهذه الضخامة فهي آتية من قرية لم يكن بعد قد شاع فيها "كروش الوجاهة". قالت في سرها: هذا الجذع الاسود يستطيع ان يحمل من الاغصان مثل ما كانت تحمل شجرة الجميز. وراحت تتخيل المرأة وقد طلع من فوق كتفيها كذا وكذا,  ومن على جوانب الرقبة . . . لا مجال للكثير فهي قصيرة تكاد تلاصق الكتفين. ثم عرتها من غطاء راسها وسمحت لفرعين نشطين ان ينموا حول الاذنين واغصان اخرى عند العينين والفم وفي مؤخرة الراس و . . . و . . . و
 
كانت الاخت سيسيل تصف وتصف وتتوعد , وتأمر بالطاعة. فالعصيان يؤدي الى جهنم . . . هذا تعرفه جيدا, أما نوح! ! . . . القصة جميلة وشيقة بلد يتعرض للطوفان, واحد من أهل البلد واحد فقط يعرف بالامر. يعرف ولا يخبر قومه, بل يبني فلكا كبيرا ويجمع ابناءه وزوجاتهم وابناءهم وزوجا من كل الحيوانات البرية والداجنة . . .
 
 لماذا لم يخبر جيرانه , لماذا لم يقل لبقية اقاربه على الاقل . كيف طاوعه قلبه وهو القديس الصالح ان يترك كل هذه الناس تموت في الطوفان, نوح ليس سيدنا . . . نوح . . . نوح. . .  نوح! ! . .  ما زالت الاخت سيسيل تشرح وتستفيض في وصف الميتة البشعة التي حلت باهل ذلك الزمان فيما نوح وعائلته وحيواناته فرحين في فلكهم لا يعنيهم ما يجري خارجه.
 
كانت الصغيرة تتابع حركات الاخت سيسيل, وكانت هذه تحاول ان تثير في طلابها دهشة من خلال حركاتها الدراماتيكية التي لم تسعفها بدانتها على القيام بها على اكمل وجه.      
 
بعد ما يقارب الساعة من الزمن صمتت الاخت سيسيل للحظة وعادت مطرقة الراس الى منبرها ثم قالت بلهجة اخف حدة من سابقتها : في المرة القادمة سأسالكم في صفحة كذا وكذا, ثم اردفت سؤالها التقليدي فنمت نبرة صوتها انها لن تتوقع عليه جوابا.

 

ـ هل من سؤال ؟ !
 
رفعت الفتاة الدقيقة الملامح الممصوصة الجلد اصبعها طالبة إذنا, أجابتها الاخت سيسيل : ممنوع . . .  تعلموا الانضباط
ـ "ما سير" . . . "ما سير"! ! 
ـ قلت ممنوع
ـ . . . "ما . . . سير" . . . سؤال عن الدرس . . .
جحظت عينا الاخت سيسيل الجاحظتين اصلا وقالت بلهجة غاضبة.
ـ ما الامر؟
"ما سير". . .  لماذا لم يخبر نوح أهله وأقاربه عن الطوفان؟ ! !  
 
امتقع لون الاخت سيسيل واعتراها غضب جامح وصاحت بالصغيرة التي راحت ترتعش امامها . . . وقحة . . . كافرة . . . إطلعي بره . . . قدامي الى غرفة المديرة.

 

* لفظة عامية تعني روم كاثوليك.

 

ملاحظة: يعود زمن القص إلى أواخر الخمسينات من القرن العشرين. 
أضيفت في 25/03/2006/ خاص القصة السورية /المصدر: الكاتبة.
 
 
 

المراجع

syrianstory.com

التصانيف

الادب   الآداب