زخّات ... هذا كل ما في الأمر... والبرد قارص يلفح وجه القمر وجذوع الشجر، يجول بين أحواض النعناع الرطبة ويطارد الكلمات والعصافير... والسماء تنتظر المطر وقلب الزنبق ينتظر دفء المطر ويرسم لوحة سريالية على نافذة الحاكورة المسيجة بالصمت، المطلة على لقائهما " غير الشرعي" ... المطلة على زوبعات الأقحوان!
هل يقبّل القمر الليل في هذه العتمة الباردة؟ أم أن كلاسيكيّة الحال بيضاء أو سوداء... وليس بينهما وسط ! هل سيهطل المطر هذا الموسم؟ ويخبيء قُبلهما وجسديهما ويغسل المعادلات الكونية وكل البديهيات!
* * *
زخّات... لا أكثر ولا أقل، تطارد دفء الهمسات في شوارع الوهم المزخرف بقوانين العتمة المكدسة عند مفارق الزمن... وهما ما زالا يمارسان الشوق ويزرعان جدارات ياسمين عند حفاف الطرقات الباردة، لينامان في جسد بعضيهما للحظات دون خوف.
تتقلب ملامحها بين حروفه، في عروقه ، في ذاته رغم الممنوعات، يراها ولا يراها، يقترب من أحواض القرنفل حول جسدها ولا يلمس ضفائرها، يعيشها حتى الهوس... ويحبها حتى التعب.
لكن البرد قارص في العتمة!
* * *
زخّات... ليس إلا... تسقط فوق أرضه وفوق شتاته ! إعتقد أن شتاته قد سئم منه ولم يعد ليزور منزله أو أوراقه... إعتقد أن شتائه لن يأتي والوقت يتباطأ أو يتواطأ معه... لكن البرد بدأ يعربش عند قدميه... فالدقائق تسير في دائرية باردة مجنونة والساعة تحمل ساعة تلو الساعة ... فيستسلم للشوق ليقتحم زقاقات تفكيره المغبرّة باستفهامات اللاواعي...
يلملم أوراقه ويعود لدفاتره ليبحث عنها وعن ذاته المشردة بين حضن القرنفل وميناء القمر... ودفء المطر!! ... لكن البرد قارص في العتمة !
* * *
مجرد زخّات... لكنه يحلم بأنه يتساقط كالورق الاصفر المثقل بالمطر... وينهمر بين أصابعها يتجرد من كل شيء ليمارس عُريه في مدينة نسي فيها الشوارع والمقاهي وشرفات القمر القرميدية وراء الغيم في المغيب... نسي زوايا العشاق السريّة بين الشجر أو في الغرف الصغيرة المتناثرة عند مشارفها!
يستحوذ الشوق على كل شرايينه فيركب أجنحة الفراش التائه وينهمر نحو زهور وجنتيها ، رغم أن البستان لا ينتظره... لكنه يحلم بقطرات الندى فوق جفون الورد، كأنها طوفان فوق صفحات الشوق البيضاء... ويعود لمحاولات الانتظار وتقصّي الاخبار هائما بين البرد والهذيان !!! والبرد قارص في العتمة...
* * *
يستفزه ذلك الزمان... تستفزه محدودية المكان! يستفزّه نوم الشمس في عز الظهيرة، يستفزّه انهمار المطر في الصحراء! يستفزّه اليوم العادي في قلب شتاء محمل بمجرد زخات متفرقة... هكذا الحال حتى اليوم السابع فيستريح... ليقوم في الغد من جديد بدائرية بديهية.
هل سيهطل المطر ويبلل قُبلَهما وجسديهما ويغسل المعادلات الكونية وكل البديهيات؟! هل سيهطل المطر في أرض الخير هذا الموسم؟!
بقلم: جودت عيد.
المراجع
pulpit.alwatanvoice.com
التصانيف
الادب الآداب قصص