تَنتظِرُ مَرمورةُ جَدَّها بفارغِ الصَّبرِ في نهايةِ كُلِّ أُسبوعٍ، حيثُ يُحْضِرُ معَهُ مِنَ القَريةِ أكْياسًا مِنَ الفاكِهَةِ وخُضارِ الموسِمِ، مِمّا تُعْطيهِ الأَرْضُ الطيِّبَةُ...
في أَحَدِ الأَيّامِ أَحْضَرَ جَدُّ مَرْمورَةَ صندوقًا كَبيرًا مَليئًا بالطَّماطِمِ (البَنادورَة) الَحَمْراء الشَّهيّةَ. فَجْأَةً رَأَتْ مَرْمورَةُ، مِنْ بَيْنِ الحَبّاتِ الكَثيرةِ، حَبَّةَ بَنادورَةٍ واحِدَةً خَضْراءَ جِدًّا، فَأَمْسَكَتْها وَنَظَرَتْ إِلَيْها بِاسْتِغْرابٍ فسارَعَ جدُّها وَقالَ لَها: "إِنَّها لَم تَنْضَجْ بَعْدُ يا عَزيزَتي، وَهْيَ غَيرُ صالِحَةٍ للأَكْلِ... فَلَيْسَ لها لا لَوْنٌ وَلا طَعْمٌ".
أَمْسَكَتْ مَرْمورَةُ حَبَّةَ البَنادورَةِ وَقالَتْ لِنَفْسِها: "سَأَعْتَني بِها وَأُحافِظُ عَلَيْها"، وَأَحْضَرَتْ عُلْبَةً خَشَبِيَّةً صَغيرَةً وَوَضَعَتْ فيها قِطْعَةَ قِماشٍ، وَغَطَّت بِها حَبَّةَ البَنادورَةِ وَأَدْخَلَتْها الثَّلاّجَةَ كَْي لا تَذْبُلَ. وَأَعْلَنَتْ لِلجَميعِ بأنها سَتَعْتَني بِها حَتَّى تَنْضَجَ وَطَلَبَتْ أَنْ لا يَمُسَّها وَلا يُخْرِجَها أَحَدٌ مِنَ الثَّلاجَةِ.
وَصارَتْ مَرْمورَةُ تَفْتَحُ الثَّلاجَةَ كُلَّ صَباحٍ قَبْلَ ذَهابِها إلى المَدْرَسَةِ، وَكَذلِكَ الأَمْرُ عِنْدَما تَعودُ مِنَ المَدْرَسَةِ، لِتَطْمَئِنَّ عَلى حَبَّةِ البَنادورَةِ الخَضْراءِ.
مَرَّتْ ثَلاثَةُ أَيّامٍ وَلمَ ْيَتَغَيَّرْ لَوْنُ البَنادورَةِ، فَأَخْرَجَتْها مَرْمورَةُ مِنَ الثَّلاجَةِ وَغَسَلَتْها لأَنَّها ظَنَّتْ أَنَّها تُريدُ القَليلَ مِنَ الماءِ عَلى وَجْهِها لِكَيْ تَحْمَرَّ وَجْنَتاها.
لكِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ شَيْءٌ، فََقالَتْ لِنَفْسِها: " رُبَّما تَحْتاجُ حَبَّةُ البَنادورَةِ بَعْضَ الدِّفءِ" فَأَحْضَرَتْ قِطْعَةَ قِماشٍ أُخْرى وَغَطَّتها بِها وَأَعادَتْها إلى الثَّلاجَةِ.وانتَظَرَتْ مَرْمورَةُ بِضْعَةَ أَيامٍ ، َلكِنّها لاحَظَتْ أَنَّ إخْضِرارَها لَمْ يَعُدْ كَما كانَ، وَلَمْ تَعُدْ بِذاتِ نَضارَتِها، فحَزِنَتْ كَثيرًا وَقالَتْ لنَفْسِها: "لِماذا لا تَنْضَجُ حَبَّةُ البَنادورَةِ هذِهِ، وَلا تُصْبِحُ حَمراء وشَهِيَّة مِثْلَ الأُخْرَياتِ".
" لقد قَدَّمتُ لَها كُلَّ شَيْءٍ، وَمَسَحتُ وَجْهَها بِالماءِ وَوَضَعتُها في الثَّلاجَةِ وَلم أَتْرُكُها تَذْبُلُ، ماذا عَلَيَّ أَن أَفعَلَ بَعدُ ؟..."، ثُمَّ قَفَزَتْ بِفَرَحٍ وَصاحَتْ: "وَجَدتُها... فَهِي تَحْتاجُ إلى الهَواءِ قَليلاً؟!" فَوَضَعَتْها عِنْدَ حافَّةِ النّافِذَةِ لِنِصْفِ ساعَةٍ، وَأَرْجَعَتْها إلى الثَّلاجَةِ، لكن َلَمْ يَحْدُثْ أَيُّ تَغْييرٍ!
وفي اليَوْمِ التّالي، قَرَّرَتْ أَنْ تُخْرِجَها مِنَ الثَّلاجَةِ لِتَضَعَها عِنْدَ حافَّةِ النّافِذَةِ خِلالَ الصَّباحِ حَتَّى الظَّهيرَةِ عِنْدَ عَوْدَتِها مِنَ المَدْرَسَةِ لِتُعيدَها إلى الثَّلاجَةِ. لكِنْ عِنْدَما عادَتْ مَرْمورَةُ مِنَ المَدْرَسَةِ، حَضَّرَتْ فُروضَها المَدْرَسِيَّةَ وَذَهَبَتْ بَعْدَ ذلِكَ إلى صَديقَتِها، وَعِنْدَما عادَتْ إلى بَيْتِها كانَتْ مُتعَبةً فَاسْتَحَمَّتْ وَلَبِسَتْ مَنامَتَها وَخَلَدَتْ إلى النَّوْمِ.
وَفي الصَّباحِ ذَهَبَتْ إلى المَدْرَسَةِ وَهُناكَ تَذَكَّرَتْ أَنَّها وَضَعَتْ حَبَّةَ البَنادورَةِ عِنْدَ حافَّةِ النّافِذَةِ مُنْذُ يَوْمَيْنِ وَلَمّا تُعِدْها إلى الثَّلاجَةِ... فَحَزِنَتْ وَقالَتْ لِنَفْسِها: " أَنا مُتَأََكِّدَةٌ بِأَنَّها قَدْ ذَبُلَتْ وَلَمْ يَعْتَنِ بِها أَحَدٌ...".
عِنْدَ انْتِهاءِ الدَّوامِ، عادَتْ إلى البَيْتِ مُسْرِعَةً لِتَنْظُرَ ما حَلَّ بِحَبَّةِ البَنادورَةِ، فَوَجَدَتْها عِنْدَ حافَّةِ النَّافِذَةِ وَقَدْ بَدَأَتْ تَلْبَسُ لَوْنًا أَحْمَرَ جَميلاً يُكَلِّلُ رَأْسَها... فَفَرِحَتْ مَرْمورَةُ كَثيرًا وَنَظَرَتْ إِلَيْها بِدَهْشَةٍ وَمُتْعَةٍ دونَ أَن تَلْمُسَها، وَتَرَكَتْها عِنْدَ النّافِذَةِ في الهَواءِ الطَّلْقِ وَتَحْتَ نورِ الشَّمْسِ...
وَبَعْدَ يَوْمَيْنِ احْمَرَّتْ وَجْنَتاها وَتَوَشَّحَتْ كُلُّها بِخُطوطٍ مُلَوَّنَةٍ خَضْراءَ وَحَمْراءَ...
"مرمورة وحبة البنادورة" قصة للأطفال صدرت عن – أ- دار الهدى عام 2007 .
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب