وأتى في ذلك المساء الورديّ القائظ، محمَّلا بأكاليل الغار وبالحكمة، حطّ فوق أكمة صغيرة تتوسط الأرض الجرداء.
نظر حوله ووصلت عيناه حفاف الأفق المتشقق عطشًا، وكانت عيون الناس كثيرة تائهة، بائسة... وشفاههم مالحة جافة ووجوههم هزيلة عارية.
سأل ماءً فأتوه بالقليلِ من البئرِ القريبةِ، شرب وبارك وقال: يا أبنائي وأحبائي... أتيتكم بشريعةِ سماءٍ لأجل أن تبصر عيونكم وتصفو قلوبكم وتشفى أجسادكم فيكتمل ثالوث الانسان بالخلاص... عندها تمتلىء البئر ماءً عذبًا, ويحبل الغيم بالمطر ويتدلى الشجر ثمرًا ويُبعث الانسانُ نورًا, حيث لا تغيب الشمس الاّ في الليل وحيث ينتهي النهار مع الضوء ليبتديءَ، كل يوم، عيونَكم في الصباح الذي يليه.
لأنه فقط عندما تدركون الشرائع الجديدة وترقصون مع ذواتكم، ستفرحون حتى مشارف الأرض،  حتى البدء... ستلمسون الكلمة وستشربون من ماء الحياة, "ستلبسون ما تنسج" أيديكم من الغار وخيوط الفجر وتأكلون ثمر الشجر الذي غرستم, وتغتسلون بالمطر فتحققون حلم الانسان "وتقيمون في كل وادٍ" وكل سهلٍ وجبلٍ طقوسَ الحب والانسجام في كيان الطبيعة ... كيان الأرض والانسان.
 
خذوا أحبائي ... شرائع الحياة  والبسوا منها ما تشاؤون وحدثوا بها كيفما تشاؤون، ابنوا سلاسل من حجارة لتحمي كرومَكم وشجرَكم في الضحى وفي الدجى، وفي كل حين، سبِّحوا قدرة الله فيكم وعطاياه لكم.
لتغسل دموعكم أوراق الحبق وليَسْقِ عَرَقكم ودَمَكم أشتالَ الزَّعتر في البريَّة، فيزهر في الأرض حلمًا، يغسل قلوبكم وينقّي أفكاركم فتلبسون عباءة النهار الجديد  فتُطَهِّر ذاتكم وتُحسِّن أفعالكم وتُنير وجوهَكم بالغد بالنقاء والسلام. عندها ترسخون كالصخر في هذه الأرض وكجذور الزيتون.
 
أنهى كلامه... وبدأت حبات المطر القليلة ترسم دروبًا على جبينه فرفع رأسه وبارك فأمطرت وتهلل الناس ورقصوا في حلقات الفرح... وفَرَد هو جناحين من نور وانطلق مع الديم إلى ربوعٍ أخرى يبعث فيها المطر بعد عقود من "الخماسين".
جودت عيد الناصرة
أضيفت في 8/01/2009/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب
 
 

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب