على مدى عقود بقينا نردد عبارة مفادها أن الزراعة لا تقدم مساهمة حقيقية إلى الاقتصاد الوطني، وأن نصيبها من الإنتاج منخفض، وأن قدرتها على توفير حاجات الأردن من العملة الصعبة تكاد تكون صفرا.
وبناء على هذا التلفيق والانطباع غير المدروس تم تبرير سياسات تعسفية دمرت القطاع الزراعي في الأردن على مدار عقود، بحجة أن الأموال التي تنفق على الزراعة هي هدر للمال العام ولا تؤتي أوكلها ولا تحقق أي قيمة مضافة للاقتصاد.
ويبدو أن القطاع الزراعي فضل الرد على هذه الأصوات بالأرقام، حيث أظهرت آخر أرقام رسمية أن الصادرات الزراعية احتلت الموقع الثاني في قائمة الصادرات الوطنية، ما يكشف عن جريمة ارتكبت طيلة السنوات الماضية بحق الزراعة في الأردن، بهدف تدمير القطاع بشكل ممنهج ومدروس.
وبحسب أرقام البنك المركزي، بلغت عائدات صادرات الأردن من الخضراوات للشهور الخمسة الأولى 173.1 مليون دينار بارتفاع نسبته 22.9 % عن نفس الفترة من العام 2009.
وشكلت الخضراوات ثاني أكبر صادرات المملكة بعد الملابس المصدرة من المناطق الصناعية المؤهلة والتي طالما تغنينا بها كإنجاز وطني، رغم أن القيمة المضافة التي توفرها للاقتصاد لا تتجاوز 8 % من إجمالي قيمتها.
صادرات القطاع الزراعي سبقت قيمة صادرات البوتاس والفوسفات، حيث توجهت الخضار إلى العديد من الأسواق، واستحوذت أسواق كل من سورية والعراق والإمارات على ما نسبته 71.9 % من صادرات الخضراوات.
المؤامرة على القطاع الزراعي، بدأت من ذوي مصالح ضيقة تمكنوا بأساليبهم من تعبئة رؤوس المسؤولين بهذا الكلام، وهؤلاء باتوا يكررون هذه العبارة من دون أدنى تفكير بها أو إجراء دراسة واحدة لتأكيد أو نفي نظرية أصحاب المصالح.
قناعة المسؤولين انعكست على مخصصات القطاع الذي لم يعد يستحق إنفاق أي مبالغ عليه من وجهة نظر المسؤولين، حيث تراجعت مخصصاته؛ إذ بلغت مخصصات القطاع خلال العام 2009 حوالي 13 مليون دينار، وفي العام الحالي ما مقداره 26 مليون دينار، بمعدل لا يتجاوز 1 % من إجمالي قيمة الموازنة العامة البالغة 5.6 بليون دينار.
والاتهامات التي وجهت للقطاع ولسنوات بأنه ضعيف وغير مجد، وبأنه عبء على الاقتصاد وحمولة زائدة لا يستحق الدعم والعناية، جعلت القائمين على القطاع يعتمدون على أنفسهم ويطورون أدواتهم، وتمكنوا من اختراق الحدود والوصول إلى دول كثيرة تفضل منتجات الأردن من الخضراوات والفواكه على غيرها من الدول.
وما حققه القطاع بعيدا عن الاهتمام الرسمي يقدم رسائل قوية وردودا قاطعة على كل من يقلل من شأنه، الأمر الذي يتطلب ردة فعل رسمية في كيفية التعامل مع القطاع بشكل مغاير لما كان قائما في الماضي.
فالأردن قادر على أن يكون سلة خضار المنطقة إن حاز القطاع على بعض الاهتمام من الدولة، لإعادة الهيبة للزراعة التي فقدت العناية به لفترات طويلة، على قاعدة "فالج لا تعالج".
وما حققه المزارعون والمستثمرون في هذا القطاع يستحق رفع القبعات لهم، إكراما وتقديرا للمنجز الذي تحقق رغما عن سياسات عدم الاكتراث والإهمال من الحكومات المتعاقبة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جمانة غنيمات صحافة