تزوجها زواجا كلاسيكيا، على طريقة الأهل والوالدين، لم يكن له دخلا بالاختيار او بالدعوات والترتيبات، كل ما هنالك، أن والديه، يودان أن يفرحا به، ويروا ابنهم وقد أصبح لديه الأولاد والبنات، يتباهوا بكثرتهم امام الناس، وأيضا يتباهوا بكون ابنهم أصبح رجلا، ولا كل الرجال.
أما هي، فقد كانت زوجة كلاسيكية، غير متعلمة، لكنها جميلة، اعتركتها الحياة، وصنعت منها امرأة تتحمل كافة الظروف المعيشية، عودت زوجها على طريقتها بالحياة، خلال عدة سنوات من زواجها، وصنعت منه زوجا مطيعا لدرجة ما، وكما يقول المثل الفلسطيني " زوجك على ما عودتيه، وابنك على ما ربيته ".
أما هو، فلم يكن يهتم كثيرا بأمور الحياة الزوجية، طالما لم يكن متفتحا كثيرا بأمورها، أنجب منها عدة أولاد، كبر وكبرت زوجته معه، كانت حياته تسير بشكل رتيب وممل، ليس بها أي تغيير او تشويق كعادة بعض الزيجات الكلاسيكية، كان يقول لزوجته بأنه يرفض أن يأكل نفس الطعام يومين متتاليين، بل يريد كل يوم نوعا يختلف عن سابقه ولاحقه، لم تكن تفهم زوجته أبعاد ومعنى كلامه، قالت له " ما تحضره لي من الطعام اطبخه لك ".
كان يذهب الى مكتبه الخاص الذي يعمل به يوميا من الساعة الثامنة صباحا وحتى يعود الى بيته السابعة مساءا، كان لديه بالمكتب موظفة جميلة المظهر، فارعة الطول، جسمها ممتلئ، شعرها أكثف وطويل، يكسبها جمالا على جمالها. تلبس الملابس الحديثة، كبنطلونات الجينز "والتي-شيرت " لم يكن لها حظا بالزواج من شاب محترم كما كانت تتمنى، أساء أهل قريتها الى سمعتها كثيرا، بحيث لم تنجح بالاحتفاظ بأي خطيب، كونها متحررة بلبسها نسبيا، حيث كانت تخرج من منزلها مكشوفة الرأس والوجه، وتلبس لباسا متمدنا كما يقولوا أهل قريتها، وعلى هذا الأساس شوهوا سمعتها، وفاتها قطار الزواج، حتى وصلت سن الخامس و الثلاثون، ولكنها ما زالت تحتفظ بلمسات من الجمال والأنوثة، تكسبها بعضا من الجاذبية، كانت متشوقة الى الزواج كثيرا، بعد طول صيام وتمنع، طلبها مدير مكتبها للزواج منها، تفاهمت معه على خطواته ووافقت. قال لها بأنه يحبها كونها فتاة " موديرن" وجميلة بالرغم من أن قطار الزواج قد فاتها بسنوات عديدة على حد زعمه، وقال لها بأن زوجته راضية عن زواجه منها، كونه يود أن يريحها من كافة الأعباء الزوجية والحياتية، وعليها أن تكون متفهمة كثيرا لوضعه، وذكية في تعاملها مع زوجته، وستكون هي الكل بالكل، خاصة بأنه يحبها كثيرا، وهي أجمل من زوجته، وأكثر منها علما وتعليما وحداثة، وان زواجه منها سيكون على مزاجه وباختياره هو، وأضاف بان إجراءات الزواج ستتم كالمعهود، وانه سيستأجر لها سكنا مناسبا لوحدها، مؤثثا تأثيثا كاملا، صدقت كل ما جاء بكلامه المعسول من وعود، صارحت البعض من أهلها من الرجال، ليستعدوا ليوم خطبتها وزواجها، وأخبرتهم بأنها موافقة مسبقا بالزواج منه بدون قيد او شرط، وحتى بدون مهر، المهم انها هذه المرة ستتزوج فورا بدون خطبة وانتظار، وسوف تذوق طعم الزواج، بعد أن طال صيامها، وعليهم أن لا يتشددوا بالأمر، فإذا لم يوافقوا لها على الزواج منه، فإنها ستضطر بتزويج نفسها منه، رغم رفض من يرفض ومع قبول من يقبل ، لأنها كما قالت لهم ، سئمت حياة العزوبية ووحشتها ووحدتها وبرودتها، وطال انتظارها ولم يتقدم احد منها لغاية الآن طالبا بالزواج منها، وحتى ينهي عزلتها، ويحقق رغبتها ورغباتها، وأنها ليست قاصرا ، فهي تملك قرارها بنفسها وصاحبة الحق باتخاذ القرار الذي تراه مناسبا .
جاء يوم زواجها الموعود، لم يكن احد من أهلها حولها إلا القليل جدا، ومن حضر منهم يعدون على أصابع اليد، لم يكونوا معنيين بالأمر كثيرا، حضورهم كان رفع عتب، وفيه بعض من الإشفاق، وتمت كافة إجراءات الخطبة والزواج دفعة واحدة، بفندق بسيط في رام الله، ليوم واحد فقط، الحضور كان محدود جدا، الفرحة كانت على وجه العروس أكثر من أي شخص آخر، حتى العريس كان سعيدا، ولكنه يعلم في قرارة نفسه أن سعادته لن تطول كثيرا، خاصة وانه يعلم ما ينتظره من المشاكل سواء من زوجته الأولى او الزوجة الجديدة.
انتقلت الزوجة الجديدة إلى عش الزوجية الجديد الذي تحلم به كل عروس، ولكن ليس كالعش الحقيقي الذي تتمناه كل فتاة، يفتها قطار الزواج بعد، حيث كان هذا العش، قد اعد له على عجل، فهو يتكون من غرفة واحدة، تحتوي على سرير للنوم مزدوج، وخزانة واحدة تصلح لشخص عزوبي، راديو صغير، مطبخ به الحد الأدنى من المستلزمات الضرورية، لا يحتوي على الكماليات والتي أصبحت من الأساسيات في عصرنا الحاضر، لا احد يعرف لماذا قبلت به هذه العروس.
كان الاعتقاد السابق بأنها قبلت به لان العريس سيكون موجودا الى جانبها أربع وعشرين ساعة، وهو كفيل بملأ ما فيه من الفراغ، وقد يكون هذا صحيحا، لو أن العريس تواجد او انه سيتواجد لساعة واحدة فقط، مر الأسبوع الأول من زواجه، قسا على زوجته الأولى لأنه ابتعد كثيرا عنها في بداية الأمر، ارضاءا للزوجة الجديدة، ثم عاد الى زوجته الأولى التي أعادته مرة ثانية الى الطريق السوي، الذي رسمته له، في السنين المنصرمة من زواجها منه، والذي اعتاد ان يسير عليه، وعودته عليه على مر السنين.
عندما كان يلتقي بالزوجة الأولى، كان يكيل لها كل المديح، وبأنها هي الأصل والفصل، وان كل الحب للحبيب الأولي، وان زواجه الثاني، هذا كان مجرد نزوة عابرة، وانه لا يعرف كيف أقدم عليه، وكيف غررت به زوجته الجديدة هذه، وضحكت عليه، حيث كان يعتقد بأن الأمور لم يكن يتوقعها بهذا الشكل، صحيح بأنه وعد الزوجتين بالعدل، لكن هذا العدل على ارض الواقع، كان له كالمستحيلات، وكانت زوجته الأولى تعرف عنه كل صغيرة وكبيرة، لذلك كانت تعرف مكامن قوته ومكامن ضعفه، فلم تكن تتركه إلا عندما تسوي مكامن قوته بمكامن ضعفه، بحيث لا يصل الى زوجته الثانية إلا منهوك القوى ومكسور الخاطر والجناح، وكان يصل فعلا بهذا الشكل وعلى هذه الحالة.
كان يتوقع من زوجته الجديدة أن تكون معدة له استقبالا حافلا عندما يأتيها، بحيث عندما يصلها سيحيا، حتى ولو كان بالرمق الأخير، وكانت زوجته الجديدة أيضا تتوقع منه الكثير الكثير، فكانت تعتقد مثلا، أن زوجته الأولى لم يعد عندها ما تقدمه له، وان لديها هي الكثير مما تقدمه له كونها عروس جديدة، ومازال خيرها فيها، لكنه مع الأسف كان يصلها مشبعا حتى الى ما بعد الإشباع، كان يحلم بأن تعيد زوجته العروس إليه الدموية من جديد، التي فقدها في أحضان زوجته الأولى، لكن دون جدوى، كان يأتيها متأخرا ليلا، ويغادرها مبكرا صباحاا.
طالما التقت الزوجة الأولى بالثانية، وتعاتبتا، ولكن دون جدوى، ودون نتائج مجدية، فكلاهما تودان الاستحواذ على الزوج، الأولى، لأنه أول من تزوجها وخدمته، وسهرت عليه كثيرا، وتعود عليها وتعودت عليه، وتعتبر الزوجة الثانية دخيلة عليها، وتود خطف زوجها منها، وأنها ضحكت عليه، وأغرته قليلا بجمالها، ولهذا تزوجها، ولم يجد بأنها تتميز عنها بشيء يذكر، لذلك فهي تعمل على ذلها وتحقيرها و تطفيشها، حتى تترك زوجها الذي تود خطفه من بين يديها.
الزوجة الثانية تدعي بأن لا ذنب لها، فهي تزوجته على سنة الله ورسوله، وتقول بأن للزوج الحق بالزواج من أربعة نساء مثنى وثلاث ورباع، على أن يكون عادلا، وانه هو الذي طلبها للزواج، وأغدق عليها بالوعود الكاذبة، لذا، فهي تطالب بحقها الكامل منه كزوجة ثانية، خاصة في موضوع العدل، ولن تعدم الحيلة في تحقيق هدفها هذا، فهي ستتبع الطرق الودية والضرورية، وستكون مسايرة لأبعد الحدود، حتى تحصل منه على كل ما وعدها به، ولكنه لم ينفذ من وعوده أي شيء يذكر، خاصة العدل، وهو ابعد ما يكون عنه.
أما هو، فلم يعرف أن أموره وأوضاعه ستكون صعبة، إلى هذا الحد، فهو بين حانة و مانة، يهرب من الأولى الى الثانية مستنجدا بها، ويهرب من الثانية الى الأولى مستنجدا بها، وينافق على الاثنتين، وكما يقال عنه، بأنه يلعب على الحبلين، ولكن لا بد له من السقوط يوما من الأيام، حتى يقع ويتكسر، ولا يعود للعب على الحبلين.
الزوجة الثانية، تحاول الإنجاب منه ولو طفلا واحدا، حتى يكون بينهما رباط من نوع ما، فهي كما تعتقد وكما قال لها أهلها " كل ولد وتد " وكلما زاد عدد الأولاد زاد عدد الأوتاد التي ستمنع حركته او تحد منها، لذا فهو يحرص كل الحرص على أن لا يتربط كثيرا في هذه الأوتاد، لذا كان يرفض الإنجاب منها بشدة، حتى يتحلل منها في اقرب فرصة مناسبة له، بعد أن يأكلها لحما ويرميها عظما. آخر أخبارها " الزوجة الثانية " انه أرسلها الى أهلها، بعد أن أصبحت تعاني من القلق النفسي الشديد، الذي أوقعها فيه، والذي زاد كثيرا عندما علمت بأنه لن ينجب منها، لان لديه من الأولاد ما يكفيه، ولا يرغب بالمزيد منهم، أول ما رأيتها وقبل أن تسرد لي تفاصيل قصتها قلت لها بأنني اعلم بأن الشهور الأولى من الزواج، تكسب الجسم وزنا إضافيا كبيرا، أما أنت، فقد فقدت نصف وزنك، وأصبحت عظما مكسوا بنصف اللحم المتبقي، فما هي القصة ؟
فقالت لي بأن قصتها هي قصة الزوجة الثانية، ولكنها لم تكن تتصورها أن تكون بهذه الصورة، أو تتوقعها كما كانت بهذا الشكل. قلت لها وماذا تودين فعله وعمله الآن، قالت طلبت من الطلاق، ووافق عليه، وأنا أسير في إجراءاتها الشرعية والقانونية في المحكمة، وأنا الآن أقيم في بيت أهلي، وسأطالبه بالنفقة المستحقة لي وبمؤخر زواجي.
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب