:ألو دكتور
=: نعم
_:البقرة يا دكتور
=:أي بقرة؟سألت
_: لقد فرّ الطبيب البيطري, وبقيت الأبقار من غير دكتور..
ومع أنني ومنذ أن دخل شارون إلى المسجد الأقصى إلى اليوم وأنا عاطل عن العمل, لهذا وجدتني أسأله:
=: ماذا تريد مني أن أفعل؟
_:أن تشوف البقرة يا سيدي
=: وأين هي البقرة؟ من أين تتكلم؟   
_:أنا هنا في البلد
=: في أي مكان من البلد؟
_: يعني مش بالتحديد بالبلد, بجانب البلد
اذكر مرة عندما كنت في طريقي من البلدة إلى المدينة حيث تنتشر المستوطنات على جانبي الطريق, رأيت بقرة بجوار الطريق تنتفض ويخرج الزبد من"بوزها". فاستفزتني مهنتي كطبيب بيطري.. أوقفت سيارتي إلى جانبها, وأنزلت حقيبة العلاج وذهبت باتجاه البقرة.
وفي الأثناء جاءني شخص كأنه كتلة من الشعر, بصعوبة بالغة أمكنني رؤية عينيه وسط كثافة الشعر الطويل, ولم أر فمه أو مصدر صوته, انه يشبه كثيرا الصوت الذي اسمعه الآن
وأقول لنفسي: هل يعقل أن يكون محدثي أحد المستوطنين؟.. فأغلق الهاتف
يعاود الاتصال و فأغلق الهاتف
فيعاود الاتصال, فأغلق الجهاز الخليوي, لكنه يتصل على الهاتف الثابت في البيت
اللعنة ما انفك يطاردني
وبانفعال يقترب من النزق أرد عليه:
ماذا تريد؟
_: البقرة يا سيدي
لكن ذلك الشّعور كان فظا وقاسيا وكاد أن يفرغ مسدسه برأسي وأنا أعالج البقرة على جانب الطريق سابقا..
_:سأدفع لك الكثير من المال, فبقرتي "معشرة" وستعطيني توأما من العجول سيعطيانني فبما بعد توائم كثيرة.. فأغلقت الهاتف..
لم أصدق ما أسمع..فبعد كل الأرواح التي أزهقها المستوطنون بدم بارد, وبعد أن قطعوا أرزاقنا, يطل علي الآن واحد منهم ويريدني أن أذهب لأعالج بقرته...
سألتني والدتي:" خير يمّا"؟ فردت عليها زوجتي:"انشا الله خير ونشتري حليب للولد"
الهاتف يرن ثانية
كم هو ملحاح؟؟؟
إنه يكاد يبكي وهو يقول:" سأدفع لك أموالا كثيرة يا دكتور, وسأحضر  بسيارتي لآخذك من منتصف الطريق, لا تنس أننا جيران..
قلت له: كومة حجار ولا هالجار" وسحبت خط الهاتف. .
كيف سأذهب إلى المستوطنة؟ ماذا سيقول عني جيراني ؟سوف يذاع ذلك في المسجد...
كان وجه زوجتي مليئا بالمرارة وهي تنظر إلى طفلنا. أما أنا فأخذت أنظر إلى الصورة المعلقة على الجدار إلى عيني والدي... وأراهما كأنهما تدمعان.
كانت رصاصات المستوطنين قد فقأت إحدى عينيه عام 1996, وهي الرصاصات التي قتلته, أتذكر كم كان والدي ممتلئا بالمحبة والحكمة والشجاعة رغم أنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب, ولقد بذل كل جهده في سبيل أن أكون طبيبا" يرفع رأسه بين الناس"..
نظرت إلى أمي فقالت:"يقطع دابر هم همّ وبقراتهم وشيكلاتهم لجهنم"
قالت زوجتي بامتعاض:" عندنا زعتر وعندنا زيت" وحملت يوسف طفلنا ودخلت به إلى غرفة نومنا وسرعان ما بدأ بالبكاء.
عادت زوجتي وهي حانقة تقول: الولد راح يروح من بين أيدينا.. وتابعت:" أنا أيضا دكتورة بيطرية وقد أقسمت يمينا أن أعالج كلّ الحيوانات على اختلاف شكلها ولونها ونوعها وصوتها.. وعليك أن لا تنسى ذلك في أي ظرف.. اعقل وتوكل أو اعقل أنا" وأعادت وصل خط الهاتف..
قالت أمي لا تذهب سيقتلونك ولقد وصلنا رصاصهم إلى غرفتنا (وأشارت إلى الزجاج المكسور والى خزانة الثياب المصابة بالثقوب..
قالت زوجتي:" سـ
رن الهاتف
فتابعت زوجتي: سيدرككم الموت ولو كنتم في أبراج محصنة" يرن الهاتف
قالت أمي:" ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة"
الو نعم إيش بدك"
_:" دكتور سأدفع 1000 شيكل وسأعطيك كيس حليب للبيبي‍ي ! جيران"
=: كومة حجار ولا هالجار
_:" المشكلة إنه إحنا وإنتو منحب حجار البلد!!!
=: عن أي بلد وعن أي حجار بتحكي!!! عليكم لعنة الحجار والبلاد يا لصوص الأوطان!!!
_:"طيب خلينا بالبقرة يا دكتور طيب! سأزيد المبلغ 5 شيكل"
قالت زوجتي التي كانت قد وضعت أذنها على سماعة الهاتف:" أنا بروح..
قلت:2000 شيكل
قال:ألف وعشرة شيكل
قلت: لا
قال:"وكيسين حليب للبيبي
حملت زوجتي حقيبتها
فوجدتني أحمل حقيبتي التي لا يوجد فيها أكثر من إبرة وبعض الأدوية وأخرج من البيت.
صوت أمي وزوجتي وبكاء طفلي وصورة أبي ولسان الجيران.. كل هذا يطاردني .. لكنني صعدت سيارته وكل ذلك يطاردني..وبقي يطاردني إلى مدخل المستوطنة,
اثنان من الشّعوريين كانا يستقبلاني, وأقلاني بسيارة ثانية إلى مكان يشبه القصر.لم أجد بجواره إسطبلا أو مزرعة أبقار, ولم أشم رائحة تدل على ذلك و لا أدري إن كان حدس أمي سيصيب!!!
كان الشّعور يبتسم ويقول لي تفضل تفضل
خرج أربعة آخرون كأنهم توائمه وقالوا لي: تفضل يا دكتور.. وخرج فيما بعد اثنان..
قلت في داخلي" أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله"
اقتادوني من يدي وبدأت أدخل القصر المذهل.. كلّ شيء كان محطما: الأثاث, الزجاج والفوضى في كلّ مكان
تذكرت عيني والدي ووجدت أمامي أثنين يشبهان الآخرين الذين استقبلاني عند الباب ولم أتمكن من التفريق بينهم.
أخذ أحدهم الحقيبة وامسك الآخر بيدي اليمنى وقال: أدخل من هذا الباب
سمعت خوارا شديدا وصوت تحطم زجاج ..
اهتزت الغرفة ثم صمت كلّ شيء.
عندما فتح الملتحي الباب, دخلت فوجدت كائنا مستلقيا على ظهره نصفه الأسفل بقرة ونصفه الأعلى على هيئة جنرال يخرج الزبد من فمه.
عدت إلى الوراء من شدة الهلع.. فأطبق جميعهم عليّ: قالوا نريدك أن تنظف الزبد..
في المشفى التي لا أعرف كيف وصلتها وأنا مضرجا بالعضات والركلات..
في المشفى رأيت زوجتي مضرجة بالدماء وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة...
كان القصف اليومي قد طال بيتنا.
رام الله20\12\2000
 

المراجع

syrianstory.com

التصانيف

الادب