الإستراتيجية فن القيادة العامة في الحرب بأجمعها، اشتقت من كلمة ستراتيجوس اليونانية بمعنى قائد. والتكتيك فن القيادة في ميدان المعركة، اشتقت من " تاسين " اليونانية وهي فعل معناه يهيئ للحرب. والإستراتيجية في الأعمال الحربية هي الخطة العامة التي توضع لإحراز هدف. ورأى بليني الكبير أن الإستراتيجية العسكرية هي القيادة، ويعرفها بعض العسكريين بأنها علم القيادة، وآخرون بأنها فن القيادة. وصفها كلاوسيفتز أنها التصميم أو الخطة العامة لحملة عسكرية كاملة، أما التكتيك فهو تصميم خطة معركة واحدة. وتطور مفهوم الإستراتيجية بمذهب كلاوسفتيز وأصبح معناه أن الحرب استمرار العلاقة السياسية، ولما كان العمل العسكري متصلاً بالسياسة فإن إستراتيجية القائد لا تكون الخطة الباتة بل تكون جزءاً من صورة أكبر، ومذهب كلاوسيفتز عن الحرب الشاملة جعل موارد الشعب لكسب الحرب. اعتبر جوميني – أحد ضباط نابليون – الإستراتيجية فن جلب القوات العسكرية إلى جبهة القتال، أما التكتيك فهو إدارة تلك القوات في المعركة. وأكمل فون درجولتز هذا الرأي الذي أشرك الإستراتيجية مع التدبيرات الكبرى التي تساعد على جلب القوات للعمل في المكان الصحيح، وفي أفضل الظروف، وخص التكتيك بكل ما يعمل في المعركة. يعتبر قورش الكبير أول استراتيجي موهوب، ومع ذلك فإن إسكندر الأكبر يعتبر واضع أسس الحرب. أبرزت الحرب البونية بين روما وقرطاجنة القائد هنيبال الذي انتصر في كاناي على جيوش روما (216 ق. م)، وهي من المعارك التي توضح حركة التطويق. وتعتمد شهرة هانيبال على مهارته التكتيكية لا على إستراتيجيته. عني البيزنطيون بدراسة نظريات الرومان الحربية، وأفادوا منها وأسسوا علم الحرب العسكري، وكتاب ستراتيجكون " فن القيادة " ( حوالي 578 م ) الذي جمع فيه الإمبراطور موريس و"سفر التكتيك " ( حوالي 900 م ) الذي وضعه ليو السادس يعتبران رسالتين وافيتين في علم الحرب. انحط هذا العلم في الغرب خلال العصور الوسطى، وازدهر فن الحصار ودرست قواعده. ثم بدأ فن القتال يستقر على قواعد علمية في الغرب على يد جان زيسكا من زعماء التشيكيين في أوائل القرن 15، وقد اخترع عجلة القتال ذات المناجل، وألف من أفرادها وحدة تكتيكية، وجعل المدفعية سلاح المناورة.
تاريخ الإستراتيجية والتكتيك
 
كان أول قائد استخدم الفرسان والمشاة والمدفعية معاً في تعاون تكتيكي منسق، كما عمل على تطوير استخدام سرعة الحركة، ونذكر من الإستراتيجيين والتكتيكين دوق مارلبورو، والأمير يوجين أوف سافوي، وفردريك الثاني ملك بروسيا، ونابليون الأول، ودوق ولنجتون، وفون مولتكه، وألفرد فون شليفن، و شيرمان، وستونوال جاكسون. ومن أهم المؤلفين الكلاسيكيين في علم الحرب النظري نيكولو ماكيافيللي الذي كتب رسالة عن فن الحرب (1521 )، وكتب جوميني السويسري الأصل وأحد قادة نابليون " موجز فن الحرب " (1836 )، عرض فيه صورة لنمط من القتال أثر على إستراتيجية وتكتيك حروب القرن 19. وسرعان ما بدلت الأسلحة الحديثة آراءه. وكان لكتاب كلاوسيفتز " عن الحرب " (1832 ) أثر عميق في تفكير هيئة أركان الحرب الألمانية وكبار ضباط الألمان. وألف إريك لودندورف كتاب " الحرب الشاملة " (1921 )، وهناك كتب الجنرال البريطاني فوللر، وقد عملت بآرائه بعض الدول الأوربية وطبقت في ألمانيا وروسيا وتشيكوسلوفاكيا. ونذكر أيضاً ماكتبه المارشال فوش الفرنسي. جعل العسكريون الأمريكيون مبادئ الحرب تسعة وهي: الهجوم، وتجمع الوحدات المقاتلة، والاقتصاد في القوى، وسرعة التحرك، والمباغتة، والأمن، والوقاية، والتعاون بين الأسلحة المختلفة، والاحتفاظ بالهدف الحربي بصفة دائمة، مع الاحتفاظ بمبدأ " كن قوياً في النقطة الحيوية ". وقد جاءت الحرب العالمية 2 بتغييرات أساسية في مفهوم الإستراتيجية فأصبحت تستهدف القيام بهجمات جوية عنيفة مجمعة على مراكز العدو الإنتاجية، وأهم مناطق مواصلاته والمواقع الكثيفة السكان، وحرمان العدو من أسلحته وحاجياته، وزلزلة حياته الاقتصادية، والقضاء على روحه المعنوية حتى يسعى في طلب الصلح. وقد ثبت خطأ أصحاب الفكرة القائلة بأن الحرب يمكن كسبها عن طريق السيادة الجوية وحدها، في حطهم من شأن أعمال الأسلحة الأخرى كالمشاة والمدفعية والأسطول وتدعيمهم أهمية الطيران. وتنقسم القوة الجوية إلى مجموعتين تقوم كل منها بواجب خاص، أولهما التدمير الجوي الإستراتيجي، وثانيتهما التعاون التكتيكي كما حدث مع ألمانيا في الحرب العالمية 2. وتتصل الإستراتيجية والتكتيكات البحرية، كمثيلتها البرية، بالتغييرات المستمرة في الأسلحة والقادرة على التنقل والسرعة. وتتطلب الإستراتيجية تنظيم الموارد البحرية، وتكيف الأسلوب الذي توزع بموجبه القوات البحرية بحسب الواجب الإستراتيجي الذي تمليه السياسة على البحرية. وأول المطالب حرمان العدو من الانتفاع بأجزاء معينة من البحار أو المحيطات، وإيفاد بعض أقسام الأسطول لتدمير وإزعاج وتعجيز سفن العدو، وتخصيص قوافل السفن لحماية البواخر التجارية. وناقلات الجنود من أهم قطع الأسطول، وتقوم القوات البحرية في العصر الحديث بواجب القتال البري، وتعاون القوات البرية عن طريق التدمير بالقنابل، وتعمل قواعداً متنقلة للطائرات البحرية..إلخ. كانت السفن في المعارك البحرية القديمة كحروب أثينا في القرن الخامس ق. م. تستخدم المنجنيق ضد سفن العدو، ويستعين الملاحون بالمقاذيف في القتال، واستخدم العتاد البري في البحر، وإذا نزل ملاحو إحدى السفن سفينة للعدو أخذوا يقاتلون خصومهم بالأيدي وبالسلاح إلى أن يتغلب فريق على الأخر، وهذا ما تفعله نيران المدفعية اليوم فإن الأسطول الإسباني قضي عليه (1588 ) حينما قضى على ملاحيه حملة الرماح الثقيلة بوساطة نيران المدفعية الإنجليزية. وفي أوائل القرن العشرين كانت السفن البحرية الإنجليزية مجهزة بأداة للضرب العنيف، وظهرت السفن البخارية والمدرعة والمحملة بالمدافع الثقيلة، والغواصات، والسفن حاملة الطائرات. ولازمت الآراء الإستراتيجية والتكتيكية المتطورة الأسلحة الجديدة، ونلاحظ أن استخدام البخار أتى بتغييرات ملحوظة في إستراتيجية الحرب البحرية، ونشأ في أعقابها تطور كبير في التكتيك البحري. وبالرغم من ذلك ظل الهدف الأساسي للقوة البحرية هو المحافظة على المواصلات البحرية، وحرمان العدو من حرية التنقل البحري. وتطور الأسلحة البحرية الحديثة جعل السفن تعتمد على القواعد أكثر مما كان عليه من قبل، فالوقود والعتاد يحددان مدى تلك الحاجة، وأشار إلى ذلك بوضوح القبطان البحري الأمريكي ماهان في أخريات القرن19، وقد كتب عن سيادة البحار والإستراتيجية البحرية، ومازال لآرائه أثر بارز. وغيرت الغواصة كثيراً من الأساليب البحرية بعد بداية الحرب المذكورة. ثم جاءت القوة الجوية بطائفة من التغييرات كاستخدام حاملات الطائرات والأساطيل الجوية والبحرية. صممت أول حاملة طائرات "أرجوس " البريطانية وشيدت 1918، وفي 1925 حولت بحرية الولايات المتحدة السفينتين ساراتوجا وليكسنجتون إلى حاملتي طائرات. وفي الحرب العالمية الثانية برزت أهمية قاذفات القنابل الجوية، والطائرات حاملات التوربيد، وطائرات الانتحار " كاميكازي " في مهاجمة السفن الكبيرة، وكان لذلك أثر في معالجة عدة مشكلات متصلة بالقيم الجوية والسيطرة البحرية. وتلك لم تحل نهائياً حتى الحرب العالمية 2، وما حدث فيها ولاسيما بعد اكتشاف السلاح الذري، ولم يتضح واجب كل سلاح فيما يتصل بالحرب الذرية. ولا يخفى أن إستراتيجية وتكتيك القوات المسلحة تأثرت بالتطورات التي أملتها الأسلحة الحديثة، كما ستتأثر الخطط الكبرى بالمواقف الدولية والعقائد المذهبية.
 

المراجع

موسوعة شبكة المعرفة الريفية

التصانيف

تخطيط