كانت الشمس ترسل بواكير أشعتها الذهبية لتنشر في حنايا الحياة دفأها ، لتنفتح شفاه الزهور البرية عن ابتسامة ريانة بالحياة في يوم جديد من أيام القرية الوادعة ، أعلنت العصافير عن ميلاده بزقزقتها التي بلغت عنان السماء مصحوبة برفيف أجنحتها الغضة وهي تتطاير من شجرة إلى شجرة فرحة بالحياة المتدفقة مع أولى خيوط الشمس .
كانت المرأتان تجدان الخطى بهمة ونشاط نحو حقل القمح الأخضر في ذلك الصباح النيساني ليبدأ مشوار الكدح متواصلا مع أيام سبقت ، وموعودا مع أيام ستلحق في جدلية متواصلة منذ اشتد العود وتسرب الجبين بالعرق العطر بعبير الحنون وشقائق النعمان. واتقد في الضمير الإدراك لفلسفة الحياة التي لا تطعم دون عطاء ولا تكسو دون كد وشقاء.
كانت أحداهما تمسك بأدوات العمل بيديها ، أما الأخرى فكانت تمسك الزاد بشمالها ، وتمسك بكف طفل في ربيعه الخامس باليد الأخرى ، تقتاده نحو الحقل ليرتع ويلعب إلى جوارها ريثما تأذن لهما الشمس بالعودة إلى البيت حيث الراحة من يوم شاق.
وبدأت المرأتان بالعمل ، وأخذت أيديهن اللواتي خشنت بفعل آلات الفلاحة عبر السنين تتناوب على اقتلاع كل ما سوى القمح من أعشاب برية تتطفل على سويقاته الغضة مقاسمة إياه عصارة الطين والماء دون وجه حق لتذره ضعيفا فيما هي تزداد قوة. قبل أن تسارع أيدي الفلاحتين باجتثاثها من جذورها ليهنأ القمح بهبة الأرض والسماء ، مانحا ذاته للفلاحين بعد أن تصفر السنابل في موسم الحصاد.
وعندما علت الشمس في كبد السماء وازدادت حرارة أشعتها جلست الفلاحتان للراحة وتناول الإفطار تحت زيتونة هرمة مفترشتين التراب الأحمر برفقة الطفل ليهنأ ثلاثتهم بتناول الخبز الأسمر مغموسا بزيت الزيتون موشى بالزعتر ألأخضر ، يتخلله حديث بين المرأتين حول مواضيع شتى لم يرتق وعي الطفل لفهمها فانشغل بالطعام. وفجأة نهضت حداهما واقفة على قدميها وكانت أم الطفل وقد تهلل وجهها بشرا ولمعت عيناها عزما وإصرارا لتركض نحو الحقل المجاور والمزروع بنبات (الكر سنة) مطاردة لإحدى إناث طائر الشنار التي كانت تسير حاملة أفراخها تحت جناحيها ولا تقوى لذلك على الطيران . كانت المرأة تهرول بتثاقل بين سيقان الكرسنة الملتفة كشبكة صياد املآ في أن تلحق بالطائر الأنثى وتنتزع احد أفراخها ليلهو به طفلها ، فيما ازدادت سرعة أنثى الشنار يدفعها سعار الأمومة وظمأ الحياة لتقاوم التعثر بين سيقان الكر سنة في محاولة محمومة للفرار من أنثى الإنسان وقد ملأ صوتها الفرار وكأنها تستغيث بكل الطبيعة من حولها لتهب لنجدتها ونجدة أفراخها الجاثمين تحت جناحيها دون أن تتمكن من فرد جناحيها إلى السماء الرحيبة حيث لا تطالها يد الإنسان.
كانت المرأة تهرول بتثاقل بين سيقان الكرسنة الملتفة كشبكة صياد املآ في أن تلحق بالطائر الأنثى وتنتزع احد أفراخها ليلهو به طفلها ، فيما ازدادت سرعة أنثى الشنار يدفعها سعار الأمومة وظمأ الحياة لتقاوم التعثر بين سيقان الكر سنة في محاولة محمومة للفرار من أنثى الإنسان وقد ملأ صوتها الفضاء وكأنها تستغيث بكل الطبيعة من حولها لتهب لنجدتها ونجدة أفراخها الجاثمين تحت جناحيها دون أن تتمكن من فرد جناحيها إلى السماء الرحيبة حيث لا تطالها يد الإنسان.
وبعد هنيهات عادت الأم جذلة ممسكة بفرخ الشنار ككنز ثمين لتقدمه لطفلها بدل لعبة لم يقدر والده على شرائها عله يجد ما يفاخر به أقرانه ..كان فرخ الشنار جميلا موشحا بخطوط سوداء من الزغب الناعم حول منقاره الوردي وعينيه الفائضتين خوفا وحزنا تلقفه الطفل بفرح طفولي يجهل فلسفة الأشياء ، وسيكولوجية اليتم والفراق ليجري حاملا الفرخ بيديه لا تكاد الأرض تسع فرحته .
وعند الظهيرة يعود الطفل إلى بيته برفقة أمه واضعا فرخ الشنار في قفص صغير ، مقدما له الحب والماء في محاولة منه لإطعامه واسقائه دون جدوى ، إما لصغر سنه وإما لمرارة الفراق التي سقته إياها أنثى الإنسان بانتزاعه من تحت جناح أمه بغلظة لتقدمه ملهاة لطفلها.
وفيما انشغلت الأم في تدبير شؤون المنزل أخلد الطفل إلى نوم عميق لتسرح روحه بين أطباق الأحلام فيرى أنثى الشنار وقد تعملقت وامتد جناحاها بقوة ليحيطا به وينتزعاه بصلف لتطير به بعيدا تاركة أمه بين فكي الحزن والذعر لا تلوي على شيء. أفاق الصغير من حلمه مذعورا ليثب إلى القفص رغبة بإطلاق فرخ الشنار ، الذي وجده مسجى على ارض القفص مفارقا للحياة
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب