ضجت القرية الوادعة لانقطاع الغيث الذي هدد محاصيلها بالتلف منذرا بمجاعة لا يسلم منها لا الأطفال الرضع ولا البهائم الرتع ، والتي إذا نفقت عطشا وجوعا فستزيد الفاجعة لانعدام مصدر آخر للغذاء بنفوقها إذا نفقت ، فاجتمع وجهاء القرية في منزل (المختار) بحثا عن حلول أو بدائل ، وهناك جلس الجميع وكأن على رؤوسهم الطير بغد أن شبعوا أخذا وردا بانتظار المختار ليدلي بالرأي الفصل.
مسح المختار قطرات العرق التي تصببت على جبينه لجسامة المسؤولية الملقاة على عاتقه ، وأدار نظره بين الجموع المنتظرة قوله ، فابتلع ريقه وقال :
-إننا أيها الأخوة والأحباب نواجه عسرا لم نألفه من قبل ، ولا أبالغ إذا قلت أن بقاءنا مرهون بزواله ،  ولم نجلبه بتقاعس منا عن العمل ، أو إيثارا منا للدعة والاسترخاء بقدر ما هو قدر من أقدار السماء التي لا نملك معها ردا ، والتي ما كانت لتحل لولا خطايانا وتفريطنا في جنب الله . وعليه لا أكاد أجد لكم مخرجا إلا أن نخرج جميعا إلى الطرقات رجالا ونساء وأطفالا  لنجأر إلى الله سائلينه الفرج والخلاص . ربما تقولون أننا فعلنا ذلك كثيرا ، وصلينا الاستسقاء مرات ومرات دون أن يستجاب لنا ، غير أن الحق أقول لكم : أن رحمة الله واسعة وهو بكاف عبيده.فلنكرر مرات ومرات حتى يرأف بنا سبحانه وهو الرءوف الرحيم.
- على رسلكم يا قوم.
التفت الجميع لرؤية الهاتف الذي دخل الديوان بغتة يكسوه الغبار من رأسه إلى أخمص قدميه ليتبينوا في ملامحه وجه الشيخ حكيم ،عابد القرية المشهور بزهده وتقواه ، والذي عزف عن مخالطة الناس منذ عهد بعيد رغبة عن معايشة الفتن  واقتراف الصغائر من الآثام .فابتاع غنيمات يتبع بها مواضع القطر  كما أوصى الرسول  من قبل في زمن الفتن. ولم يشاهد بعدها واعظا في الناس ، وإنما كادحا لكسب رزقه أو متصفحا  كتابا بصمت جليل.
-على رسلكم يا قوم..نعم إن الله كاف عبده ، غير أن أهل العلم قالوا من قبل : إن الله يلتزم بكفاية العبد بقدر ما يلتزم العبد بعبوديته لله ، والعبودية للرب لا تتجسد في السجود لوجهه الكريم في الضراء فقط ، بل هي أشمل من ذلك بكثير لا أقلها أداء حقوق الله ، وأداء حقوق عباده كذلك  في السراء والضراء.
قال الشيخ ذلك ولحيته الطويلة  البيضاء تهتز لفرط الانفعال  مع كل كلمة ينطق بها، وإذ لمس اهتماما لدى الجمع بكلامه واصل حديثه بنفس التأثر والانفعال:
-إذا أردتم أن يهطل الغيث من السماء  من جديد فهيئوا له موضعا على الأرض  ينزل عليه، والا فلا جدوى من صلاتكم.
-ماذا؟؟؟؟..تساءل الجميع بصوت واحد تعتريهم الدهشة.. أو يهيأ للغيث مكانا ؟؟؟ إن هذا لأمر عجاب . تساءل رهط منهم.
-أجل يا قوم ، هيئوا مكان رضا للسماء على الأرض، واعلموا أنني لا أتحدث بالطلاسم ، ولكنه الحق والحق أقول : ليعط المختار شقيقته حقها في الميراث أولا قبل أن يقود الناس إلى صلاة الاستسقاء ، فدموع تظلمها على الأرض تحجب عنكم غيث السماء  ، ولينبذ إمام المسجد أخاه الذي شهد رهط من ثقات القرية على تلاعبه بالمال العام ، فبشر ببراءته من على المنبر  في يوم الجمعة ، وتوعد متهميه بعقاب الله الأبدي واصفا إياهم بعصبة الإفك.. لان افتراءه على الله أنزل أللعنة على قريتكم فأحيط بثمرها . وليذهب رهط من وجهاء قريتنا  إلى القرية الجارة استرضاء لمعلم الصبيان الذي نبذته القرية  وأوكلت مهام التعليم  لشاب جاهل من أبناء القرية  لصلة قربى تربطه بكبير وجهاء القرية ، لان تجهيل الأجيال فناء لكم إذا نجوتم من فناء المجاعة  ...
- لقد أثقلت القول يا شيخ بما لا يليق بعابد مثلك . صرخ أحدهم مقاطعا  ليسري هرج ومرج كطنين النحل في المجلس ، وكأنهم كانوا بانتظار من يخرق جدار الصمت ليشوشوا على إدانتهم. إلا أن الشيخ رفع يده بحزم وتابع حديثه:
- لقد أخذ الله الميثاق على العلماء ليبينون الحق  للناس ولا يكتمونه ، لذا فالحق والحق أقول : إنكم لم تجهزوا بعد لاستقبال هبة السماء ، ثم شق طريقه بين الناس ليخرج من حيث عاد ، ثم وقف على باب الديون واستدار مواجها الجمع ليواصل الحديث قائلا  :- إذا قررتم تحكيم الحق والصواب ، وتهيئة الأرض لاستقبال ما ستغدق به السماء ، فلا تنسوا أن تأخذوا الدية من قاتل شقيقته الذي يمشي آمنا مطمئنا بين ظهرانيكم ، وتعدونه مثالا للنخوة والحمية . وقدموا الدية عونا للشباب الراغبين في الزواج دعما لعفتهم.
فصرخ به رجل من الجمع: لقد تماديت في غيك يا هذا ، وتابع ثان : سبحان الله ، أو يدافع عابد لله عن زانية ، وأردف ثالث : إذا كان الزهاد العابدون كذلك فلا حرج علينا نحن العامة ، وابتسم ابتسامة ثعلبية ، وهنا انتهرهم الشيخ قائلا :
-إن الله الذي حرم الزنا هو ذات الله الذي حرم القتل ، ولو أخذت كل نفس القانون بيدها ، فما جدوى كتب الأنبياء ؟؟!
ثم خرج من الباب الذي دخل منه دون أن يبادر أي من عقلاء القوم على استيقافه ناهيك عن جهلائهم ، ليواصل طريقه نحو الجبل ساعيا بغنمه بحثا عن منبع ماء بثقة يفتقدها من تركهم مجتمعين في الديوان ، ثقة جعلته يحس بشفاه الأرض المتشققة ظمأ للمطر تبتسم رضا عما قال وفعل ، والشجر المتيبس عطشا  بأغصانه التي يداعبها النسيم تلوح له محيية إياه بغبطة وفخر.
 
 

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب