ضطجع على سريره منهكا..لم يكن تعبه ناجما عن مشقة في العمل فقد تقاعد منذ أشهر خلت قضاها محاولا البحث عن ما يقتل به نهاراته ولياليه: حاول في البداية أن يمنح جل وقته للعب مع أحفاده وقص القصص عليهم ، غير أن برامج الرسوم المتحركة وألعاب الكمبيوتر كانت أكثر جاذبية لهم من قصصه وحكاياته فأعرضوا عنه غير مبالين. فانثنى يبحث عن رفاق الصبا والجامعة والزملاء القدامى ليجد أن معظمهم إما فارق الحياة أو رحل بعيدا ليقضي ما بقي من العمر في كنف الأبناء أو ألبنات طامحا لشيخوخة هادئة ، فنشد ضالته في القراءة التي سرعان ما ضاق منها صدره إما لان الكتابات الحديثة لا تروق له ، ناهيك عن قراءته السابقة النهمة لما حوته مكتبته الضخمة من أمهات الكتب ، فمكث أياما يجتر الذكريات ممزوجة بمرارة الملل.
تعب من طول الاضطجاع على السرير ، فنهض متثاقلا وأوصى ابنته بصنع فنجان قهوة بدون سكر ، ثم ارتدى ملابسه وهبط السلالم للجلوس على مقعد في حديقة المنزل متأملا براعم القرنفل المتهيأة للتفتح استقبالا لشمس نيسان الدافئة فيما تقهقرت الأعشاب اليابسة مدفوعة بالريح الخفيفة وكأنها أدركت أنه لا مكان لها في الربيع المتدفق حياة ونضرة. تناول من جيبه سيجارا كوبيا أشعله متأففا وكأنه يفرغ مع كل نفثة دخان دفعة ملل تراكم في داخله فكتم عنه النفس ، فيما وضعت الخادمة صينية القهوة على الطاولة المصنوعة من القش وسكبت له كاس قهوة تناولها شادها عما حوله وارتشف منها رشفة ثم وضعها ثانية على الطاولة ليعود لنفث الدخان من سيجاره .
-(وماذا بعد ؟؟؟..هل تلفظني الحياة بعد أن رفدتها بالكثير؟) تساءل حانقا .
-(وبماذا رفدت الحياة؟)...أجابه صوت من أعماقه
-( الم أضف إلى ركب الحياة الماضي قدما أبناء وبنات وأحفادا كثرا وحفيدات؟؟)
-( وماذا في ذلك؟؟) أجابته أعماقه من جديد ( إن نسلك –وان أعجبك- لا يقارن بالجنس البشري  إلا كشجرة واحدة في غابة لا متناهية في الضخامة ، واسمح لي أن أنبئك كذلك أن أعدادا لا يعلم عددها إلا الله من البهائم بأنواعها وأصنافها المختلفة ترفد الحياة بأضعاف أضعاف  ما رفدتها أنت به ،..بل وبزمن قياسي لا يقارن بما مكثت عليه أنت إذا كان فهمك للحياة بأنها أرحام تدفع ، ولا ينبغي تذكيرك أن بعد الأرحام هنالك أرض تبلع)
-(كفى ) صرخ بنفسه لتكف عن فلسفتها المقيتة ( لقد كرم الله الإنسان وميزه عن البهائم ، بالعلم والرقي ، لقد قضيت معظم عمري في التعلم والتعليم ، كما وعلمت أبنائي وبناتي جميعا ، وما زلت أراقب أحفادي وهم متوجهون إلى مدارسهم كل صباح..و..)
-( ولكنك لا تنكر أن علمك وعلمهم جميعا يكاد يذوي في زاوية النسيان مقارنة بالإشعاع العلمي في أقطار العالم المتحضر، فأنت نفسك غير راض عن مناهج التدريس في البلاد ، وقد رددت ذلك مرارا معتبرها خاطئة لا تنسجم و التسارع العلمي في العصر الحاضر ، فكيف تفاخر بحصيلة علمية إطارها الخطأ بحسب إقرارك أنت؟؟) جادلته ذاته بطريقة أثارت حنقه تدريجيا حتى كاد يبلغ الذروة فخفف من غيظه بمجة من سيكاره تجرعها بغيظ .
-(هون عليك ..لم أقصد إثارتك ، وإنما أردت أن لا تبالغ في تقدير نفسك فوق قدرها فهذا لن يطرد عنك السأم )
-( ولكنك جانبت الحقيقة، بل و بخستني حقي ، ألم أرفد المسيرة العلمية بكتب ستظل خالدة بعد موتي ؟)
وهنا جلجلت في أعماقه قهقهة نفسه التي تابعت القول بعد أن جاهدت نفسها كثيرا للتوقف عن الضحك :-
-(أو تسمي أطروحة الماجستير التي استللتها بشق الأنفس ، وتبخر من ذهنك كل ما جمعته فيها من حقائق وأنت تصحح وتنقح مزجورا من أساتذتك حينا ، ومن نفسك أحيانا رفدا لمسيرة العلم ، ثم قل لي وبصدق : هل ترى قرأها من أحد غير زوجتك مجاملة لك لأنك جعلت الإهداء لها ، ومع ذلك- وبدون غضب لو سمحت- ألم تستيقن في نفسك عندما ناقشتها حول الأطروحة أنها لم تعرها من الاهتمام بأكثر من مطالعة سطحية في إطار المجاملة الضحلة؟)
-( ولكن الطلبة درسوها في الجامعة ) صرخ بنفسه زاجرا
وهنا تعالت قهقهة النفس من جديد ..قهقهة هستيرية جعلته يشمئز من الغيظ ، بيد انه تمالك نفسه وسألها بحنق باد:
-(وعلام الضحك هذه المرة)
-(تعلم جيدا لم درسها الطلبة.. درسوها مرغمين لأنهم تعلموا من أجيال سبقتهم أن محور أسئلة امتحاناتك يدور حول رحى أطروحتك ، ولا أخالك نسيت أن زملاءك الآخرين قد اختاروا لطلبتهم مراجع أخرى كثيرة لا تحصى )
(وديوان أشعاري ؟؟..أنسيته أيتها النفس)
(لا أريد أن أجرحك..تقصد الديوان الذي بيعت منه أربعين نسخة من أصل أربع آلاف نسخة، واكتظ بالباقي منزلك قبل أن تجد لها مكانا في زاوية المخزن لتغدوا بعد أقل من عام وجبة دسمة لديدان الأرض ؟!)
أطرق حزينا ، وساد صمت رهيب  ،إذ  لم يفكر بهذه الطريقة مذ خلق وصارع الحياة وصارعته، فأطرق ساهما فيما كانت نيران السيجار يأكل بعضها بعضا  ويتآكل معها السيجار المشتعل قبل أن يبلغ إصبعه فينتفض ألما ملقيا بعقب السيجار المشتعل على الأرض ليدوسه بقدمه بغلظة ساحقا أحشاءه البنية تحت قدميه. ليتهالك من جديد على مقعد القش .
-(هل آلمتك النار أم كلمات حقيقتي) سألته نفسه بخبث.
-(اخرسي عليك أللعنة ) صرخ بنفسه زاجرا، ثم تابع بألم ) أخرجتني من الدنيا بلا دين ، انك لا تعلمين مدى غبطتي بجيش الأبناء والأحفاد عند كل مناسبة يجتمعون فيها ، عند ذاك أرى نفسي ملكا غير متوج ..)
-(أنت كذلك وقتذاك )
-( شكرا..لا داعي لعبارات الشفقة ، لا تكوني كمن يحدث جرحا ثم يضمده)
-(أنا جادة جدا ..نعم عندما تبارك أبناءك وأحفادك في الأعياد وغيرها ترفد الحياة وبحق)
-(ويحك أيتها المتقلبة ، أو لم تقللي من شأن ذلك قبل قليل؟)
-(بالعكس ..لم أقلل من شأن مباركتك لهم وفرحك بهم ، فهذا هو الرفد الحقيقي للحياة ، لقد قللت من شأن اعتبارك مجرد الإنجاب رفدا للحياة)
-(؟؟؟؟)
-(أعي جيدا أنك لم تفهمني ..سأوضح لك : لم يكن مجرد إنجابك لطفل بالإنجاب الذي تستحق عليه الثناء ، فهو حصيلة طبيعية للحظات لذة مادية قضيتها مع زوجك ، غير أن الحب الذي قادكما إلى الفراش من قبل هو الإنجاز الحقيقي للحياة ، ورعشة الحنان التي تدغدغ مشاعرك كلها عندما تناغي أطفالك وأطفالهم من بعد هو الرفد الحقيقي عندما تواصل رفد الأجيال بالمشاعر الراقية التي تربطهم بك ويستشعرون الأمان بها ومعك )
طأطأ رأسه موافقا ، قبل أن تواصل النفس حديثها الهادي:
-( وكذلك لم يكن ما كتبت بدافع العادة ، أو لهاثا وراء المجد بالشيء الذي يذكر إلى جانب كلمات مؤثرة أسديتها لطلابك فغيرت مجرى حياتهم ورسمت لهم هدفا ساميا يغدون السير نحوه بأناة وتصميم ، فلرب كلمة ألقيتها إلى شاب أو فتاة كانت بمثابة النبراس الذي أضاء لهم طريقا لم يفطنوا له من قبل فساروا عليه إلى حيث أثروا هم في الآخرين لجعل الحياة أفضل مما كانت عليه من قبلهم).
-( إيه أيتها النفس اللوامة..ما أسرع تقلبك من حال إلى حال ) قال وابتسامة الرضا تفيض من ثغره ليشع بريق طقم  أسنانه الاصطناعية ..ليعاود السؤال من جديد: وماذا بعد؟؟)
-( حفل الشواء) أجابته النفس بهدوء
-(أي حفل؟؟) سأل مندهشا
-(أنسيت؟؟ أولم تدع ابنتك الصغرى إلى العشاء مع عروسها الذي زففتها إليه قبل أسابيع ، وكانت عيناك تقطر فرحا لرؤيتها في ثوبها الأبيض ، وهمست في إذن زوجتك العجوز : كم هي جميلة ابنتنا؟!!في تلك اللحظة كان حريا بك حقا أن تشعر كم أضفت إلى الحياة بإلقائك فيها مخلوقا يستقطب من حوله الفرح ويشعر به الجميع)
-(صدقت يا نفس وحق الله ) . ثم نهض بهمة ابن العشرين وهتف بالجميع أن يأتوا بالفحم واللحم إلى بهو المنزل ريثما يوقد هو النار .
 
 
 

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب