جلس من جديد أمام شاشة الحاسوب  الماثلة أمام بصره فيما كانت بصيرته تجوب الأطباق بحثا عن مادة للكتابة ، لم يكن ملتزما مع أي هيئة نشر بقدر ما كانت الكتابة سلواه في زمن استنسرت فيه البغاث التي لم تترك لرأيه مجالا للصدح به ، ولغياب قمر العقل عن ليل الأمة والشعب ، فكان يجد في الكتابة متنفسا عما يدور في خاطره ، ويستشعر في الشاشة الصغيرة الصماء  نديم سمر يفضي إليها بنجواه كلما نقر  مفاتيح الكتابة الرقيقة ، فلربما الجماد غدا محاورا جيدا لأن الجهل مستفحل في أنفس معظم المحاورين ، والمحاور الجاهل عدو للعقلاء وان أصاب لان سلاحه (الهوبرة) التي لا تترك للأخذ والرد أي مساحة في حقل الحوار ، وبذلك ينسحب العقل بعزة وكرامة تاركا (المهوبرين ) يحتفلون بالنصر على المعارضين.
أشعل السيكارة الأولى بعد العلبة  الثانية غير عابيء لا بسرطان الرئة ولا بالجلطة القلبية ، وارتشف جرعة من القهوة التي اصطكت قطراتها بردا لطول الانتظار ، وحاول الكتابة من جديد مداعبا لوحة الكتابة بأطراف أنامله بحنان كمن يداعب حبيبة استرخت في أحضانه ، غير أن القريحة ظلت عاقرا لا تجود رغم تزاحم الأفكار وتجاذبها ،فأطرق برأسه يائسا يملؤه شعور بالعجز.
أحس بصداع شديد فهم بالقيام لتناول حبة (أسبرين ) إلا أنه تراجع عن ذلك موقنا أن تزاحم الأفكار هو ما يمسك بعنق دماغه ويضغط عليها إلى درجة الألم ..ألما لن تطرده حبة (أسبرين) فقرر تفريغ رأسه من أفكارها فكرة فكرة عله يرتاح من الصداع الذي أفسد عليه خلوته ، غير أن الصداع ازداد حدة وتركز حول العينين ، وكأن الأفكار أدركت نيته  فتزاحمت للخروج من محجري العينين تستأثر كل فكرة منها بالخروج أولا ، الأمر الذي كاد يفقده صوابه لشدة الألم فضرب بقبضة يده على جبينه صارخا بأفكاره : كفى، فتردد صدى  الصوت في أرجاء رأسه ، ورددت جدران جمجمته :  كفى كفى كفى..
سكنت الأفكار قليلا لهول الصرخة التي ترددت من حولها وابتعدت عن عينيه ليهدأ الصداع قليلا فقرر محاورة أفكاره لعلها تخرج واحدة اثر أخرى بسلام من رأسه المثقل بها ، فنادى أكبرهن التي لبت النداء بتثاقل وقالت: أنا (وفاق) يا سيدي ،المنادية  بضرورة وقف اقتتال الأخوة وحقن الدم ، فهتف بها يائسا: ارجعي من حيث أتيت ، فهيهات أن أستطيع إخراجك من رأسي  وأنا أشهد حمام الدم المتزايد يوما بعد يوم ، فلو أخرجتك لخرجت على إثرك كل معاني الإنسانية من روحي ، واستحلت حيوانا لا هم له إلا إشباع نهم غرائزه، فسارت (وفاق) بخطاها الثقيلة  وجلست على متكأ من دماغه .
نادى الفكرة التالية ، فتقدمت (حياة) تمشي الهوينى قبل أن تقف قائلة : أنا حياة يا سيدي ، التي تذكرك بساعات عملك ، و تجهز لك قائمة المشتريات كل يوم ، وتذهب بك إلى المصرف لدفع فواتير الكهرباء والهاتف ، و.....) فقاطعها نزقا :( ولا أنت تستطيعين خروجا فبدونك ينعدم النظام في حياتي ..هيهات أن أجد لك مخرجا فارجعي ، فرجعت على آثارها تمشي الهوينى حتى وجدت لها مقعدا بين لفائف دماغه.
ثم توالت الأفكار تحاوره وتعود دون أمل بالخروج لتجد لها مقعدا في دماغه : فتوالت (ولاء ) المنادية بضرورة إتقان العمل والتفاني فيه وان قلت المكافأة ، تلتها (انتماء) و(وعود ) و..و.. ، حتى أتت أماني أخيرا يسبقها عطرها الفواح لتقول: أنا (أماني ) يا سيدي التي تزين لك بريق الثروة التي قد تأتي يوما ، وتمنيك باسترخاء على رمال شواطيء (المالديف) الحارة ، وبركب المركبات الفارهة ، و...و.... وهنا هتف مقاطعا : وكأنما وجد ضالته : ( لا بأس عليك يا (أماني ) بامكانك الخروج الآن فبخروجك حتما تصبح حياتي رمادية كلفائف دماغي ، غير أني لن أفقد من إنسانيتي آنذاك ما يعيبني فقدانه، فاخرجي بسلام  . وعندما همت (أماني)  بالخروج من رأسه  تصايحت بقية الأفكار ووثبت إلى المخرج لمنعها من الاستئثار بحظوة الخروج إلى الفضاء الرحيب ، وزعقت أن من الظلم أن تخرج واحدة وتبقى الأخريات فتزاحمت الأفكار من جديد وأمسكت بتلابيب بعضها بعضا  ليبلغ الصداع الذروة ويضغط على رأسه كالملزمة ، فيضم قبضتيه معا ضاربا على جبينه صارخا : كفى كفى كفى ...ليتردد في حنايا رأسه صدى الكلمات التي تضاعف من ترددها ارتطامها بجدران الجمجمة : كفى كفى كفى.
 
 
 

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب