(يا للطف الجبار..يا لرحمة القوي العزيز..أي يدين اقترفتا هذا الإثم ؟واجترحتا هذه الخطيئة ؟..يا لحلم الله..يا لمغفرة المنتقم..)
أخذت العجوز تولول ويداها الخشنتان المشققتان تداعب وجه الرماد الحار المتبقي من بيدر القمح المحترق ، وتمرغ به وجهها المتغضن وتنثره على منديل رأسها الأبيض كما تفعل الثكالى ، ويختلط الرماد بخطي الدموع فتسيل جداولا سوداء في أخاديد وجهها الشائخ ، وليغدو منديلها الأبيض بفعل الرماد الأسود وشاح حداد.
-(من الذي سولت له نفسه أن يقتل الخصب؟! أم من الذي حرم الأنام من قوت يومهم في قارص الشتاء القادم ..وحرم البهائم العجماء من التبن والعلف ..وحرم المزارعين من أكياس البذر في الربيع الآتي ؟! أي قلب قد من صوان هذا الذي أطلق لشيطانه العنان ليعيث فسادا في بيدري الحبيب ؟!
وعلا نحيب العجوز ، وأغرقت تنشج في بكاء مرير ، وطفق ظهرها المحدودب يهتز كعصفور بلله القدر على إيقاع النحيب المنبعث من قلبها الكسير ..
-(آه يا بيدري الحبيب ..من الذي أجهض سنابلك الحبلى بحبات القمح السمان ،وأحالها هشيما تذروه الرياح ؟! ومن حطم سويقات القمح الذهبية اليابسة فجعلها هباء منثورا ؟؟ أجبني يا بيدري الحبيب! ..من الذي أحال بهاءك هباءا..وكسا وجهك الذهبي بالسواد؟..أجبني يا بيدري الأثير ..أشف غليل عجوزك الثكلى يا حبيبي..
-( إن..ها..أل..ن...نا...ر.. يا...أما...ه....
انسل أنين خافت من شقوق البيدر المحترق ..أنين تفطر له قلب العجوز المسكينة ، فأدنت أذنها من شق ملأه الرماد ، وفاح منه بقايا دخان أسود ، وناشدت أرض البيدر المحروقة أن تنطق من جديد.
-( إنها ..النار..أحرقتني..) انبعث الصوت ثانية من الشق ضعيفا ، متقطعا ، كصوت جريح يلفظ أنفاسه الأخيرة.
-(هكذا إذن!!) همهمت العجوز الباكية ، ثم نهضت ومسحت دمعها الممزوج بالمخاط بكم ثوبها ، ونظرت في الأفق المصطبغ ببواكير أشعة الشمس في ذلك الصباح ،وقالت بنبرة ملؤها الغضب:
-(هكذا إذن، سترى النار مني..سأبحث عنها الآن ، وستدفع غاليا ثمن ما اقترفت السنتها الشريرة)
وانطلقت العجوز تعدو بخطاها التي أثقلتها السنون بحثا عن النار تتكيء على عكازها كلما أوشكت على السقوط ، وتعدل بين الحين والحين منديل رأسها المتسخ بالرماد حتى أتت إلى موقد تتعالى منه ألسنة اللهب بين أثافي ثلاث أشعلها أحد الفلاحين ليطهو قدر برغل لأطفاله الجائعين ..كانت ألسنة لهبها تتعالى بنشوة وهي تمضغ عيدان الحطب الجافة.
-(إذن فهذه أنت يا ناكرة الجميل ..أيتها اللئيمة المذمومة ، تمتدين بلذة في الهواء بعد أن أحرقت البيدر ) صرخت العجوز ناثرة اللعاب من فمها الذي أفرغه الدهر من أسنانه : ( هكذا إذن ! تحيط ألسنة لهيبك الشره بقوت سنة كاملة لتبتلعه ولا تبقي منه إلا رمادا أسودا وخيوطا من دخان!!)
-(على رسلك يا أماه) أجابت النار زافرة :( إنما استفزتني الريح ودفعت بي إلى هناك، وعندما ظفرت بأكوام السنابل مددت إليها ألسنتي ، وأنت تعلمين طبيعتي النارية التي لا تعف عن شيء ما لم يوقفها شيء آخر ، وقد ظننت بالماء خيرا أن يسدي لي معروفا فيطفيء سعار لهيبي لكنه لم يحرك ساكنا وبقي مستلقيا راكدا في الينبوع بجانب البيدر)
-( يا لوقاحتك) هتفت العجوز بحنق : ( هل كان لك أن تكوني لولا سيقان القمح الجافة التي كنت أشعلك بها ؟ وهل كان سيكون لك كل هذا البهاء والبريق واللون الأرجواني الذي دفع ببعض سخيفي العقول أن يتخذوك إلها لولا سيقان القمح الجافة المسكينة التي كان لها الفضل في إضرام أوارك؟ ولكن شرهك لم يكتف بها بل امتد نحو البيدر بما زخر من سنابل و حبوب وأغمار)
وهنا جن جنون النار ، فانتفض لهيبها واستطال نحو السحب ، وأخذت تزفر زفرة تلو أخرى لينعقد الدخان الأسود الكثيف فوق رأسها ثم أخذت تصرخ:
-(ويحك أيتها العجوز القاسية، تعيرينني ببعض سويقات جافة حقيرة ، وتنسين فضلي على القمح الذي ينضج عجينه على أواري ، فيغدو خبزا ساخنا لذة للآكلين، وهل نسيتي كم كنت وحدي فاكهة لكم في ليالي الشتاء القارس ..مسكينة أنا النار..تتهمينني بالجحود ، وتلقين علي وزر هلاك البيدر ، ولا تمدين إصبع لوم واحدة نحو الريح التي دفعت بي نحو أكوام السنابل ، ولا نحو الماء الذي تقاعس عن ردي ..أواه..يا لظلمك أيتها العجوز!)
وأخذت جمرات النار تصطك لشدة الغيظ ، وعيدان الحطب المشتعل تفرز زبدا أبيضا على شفتي النار فأحست العجوز بالرعب ..رعبا أقنعها بصدق قول النار ،فازدادت بكاء وأخذت تربت بيدها على جمرات النار المتقدة قائلة بحرقة:
-(اهد أي يا بنتي ..جعلت روحي فداك ..سأريه الماء الذي تقاعس عن ندائك ..أنت محقة يا بنتي ، فلو هدأ الماء من ثورتك، وأطفأ لهيبك لقفلت راجعة دون أن تمسي البيدر بسوء ).
تلفظت العجوز بهذه الكلمات ، وهي تربت على جمرات النار المتقدة لتهديء من غضبها حتى احترق لحم كفيها بالكامل دون أن تشعر بالألم ، ثم حاولت أن تمسك بالعكاز لتقفل راجعة فلم تقو على ذلك راحتاها المحترقتان، فترنحت بجسدها المنهك تعدو نحو الينبوع الواقع إلى جانب البيدر ، والتي ما إن وصلته حتى بصقت في صفحته الصافية ،فاشمأز مرسلا دوائرا متتالية من مركزه إلى أطرافه.
-( ويحك : ماذا دهاك ؟! ) همس الماء الراكد بحنق.
- ( أفعل أيها الماء ما يجب علي فعله بحق التكاسل عن نجدة البيدر ، ولم يلق بالا لسعار النار التي أحاطته بألسنة لهيبها .. بحق الله أيها الماء :- لو لم تزين حقول القمح جانبيك ، هل كنت إلا أقرعا قبيحا يبول فيك الصبيان وتتجشأ فيك البهائم؟! كيف طاوعك قلبك أن لا تطفي النار التي لم تستطع السيطرة على شرهها حتى أحالت البيدر الجميل إلى رماد كئيب؟).
وهنا لاذ الماء بالصمت واختلجت صفحته كأنه يقاوم دمعة تأبى إلا أن تخرج من أعماقه رذاذا
، وقال :- ( سامحك الله أيتها العجوز الطيبة ..وماذا كان بوسعي أن أفعل؟ لقد دفعت الريح بالماء نحو البيدر وتركتني كسيحا هنا ..لو استدارت الريح قليلا ودفعت بأمواجي نحو النار لمرغتها بالأرض وأطفأت غرور ألسنتها ، ولكن ماذا أفعل وقد أبت الريح أن تلتفت إلي واستمرت في دفع النار نحو أكوام القمح حتى اشتعل وبخر جزءا من مائي..وبدلا من أن تلومي الريح أتيت للبصق في وجهي. فليسامحك الله أيتها العجوز).
قال الماء ذلك وانساب بين أتلام الحقول الحمراء المتشققة دون أن تنجح دموع العجوز في ثنيه عن وجهته ، فظلت تصرخ وتولول : - ( لا بأس عليك أيها الماء الحبيب..ربما أكون قد قسوت عليك دون وجه حق ..ابق هنا في ينبوعك بالله عليك، أنا أعلم أنك أنت من تسقي القمح وتهبه الحياة حتى يشتد عوده . )
-( لا بقاء لي في هذا الينبوع وقد بصقت في وجهي ، سأمضي جداولا في الأرض قبل أن آسن).
وهنا قفزت العجوز الحزينة إلى قعر الينبوع لتمسك بذيل الماء قبل أن يرحل، فزلت قدمها وسقطت في القعر الذي انحسر عنه الماء وتلطخ وجهها وثيابها بالوحل الأسود ذي الرائحة الكريهة، وغشت شعرها الطحالب الخضراء النتنة ، فانطلقت تدمدم نحو حافة الينبوع الذي أمسكته بما تبقى من عظم كفيها وتهالكت حتى صعدت إلى حافته..ودمدمت ثانية :-
( إنها الريح الملعونة إذن ، ثم رفعت رأسها نحو الريح فيما غرست قدميها الحافيتين المبتلتين في رماد البيدر المحترق ، وصرخت بغضب :- ( هو أنت إذن سر البلاء أيتها الريح الملعونة !! والذي أحق الحق وأبطل الباطل لألعنك في دبر كل صلاة ما فتئت لي قامة تركع لله وتسجد . ).
سمعت الريح هذا القول فأخذت تصفر وتدور في كل اتجاه والعجوز تدور صارخة بها في دوامة متواصلة ..
-( أنا ؟؟! أنا أيتها العجوز المسكينة لا ذنب لي فيما جرى..فأنا لا أملك السير في الاتجاه الذي أريد ولا حيث ينبغي ..صدقيني أن لا إرادة لي في ذلك ..انه قدري ..أجل قدري، فهو الذي يصرفني حيث يشاء ). قالت الريح ذلك وأخذت تسرع من دورتها والعجوز تشرئب بعنقها إليها محاولة أن تقابلها وجها لوجه حتى سقط منديلها عن رأسها وانتشر شعرها الملطخ بالرماد والوحل الآسن ثم بدأت تشعر بالدوار وهي تدور مع الريح حتى شعرت بكل ثابت أمام عينيها يدور حول نفسه ، فرفعت وقت ذاك كفيها المحترقتين لتغطي بهما عينيها علها بذلك تتحرر من الدوار ، إلا أنها لم تقو على شيء وأحست بقدميها يخوران من تحتها قبل أن تسقط ميتة على رماد البيدر المحترق.
المراجع
syrianstory.com
التصانيف
الادب الآداب