( معذرة سيدي الطبيب ) هتفت المرأة الواقفة إلى جانب الجثمان المسجى وهي تداعب وجهه المغطى بالموت وخصلات شعره المتناثرة الكثة ، قبل أن تواصل بصوت رخيم تتقطعه شهقات بكاء بين الحين والحين .
-( ربما تظن إنني ارتحت من عبء ثقيل بموت هذا الشاب المعاق الذي لم يستطع قولا ولا عملا طوال عشر سنين عجاف ، ظل فيها طلل إنسان ملقى في صحاري الحياة الجافة لا تزينه نضرة ولا يجري في حناياه ماء الحياة..يحتاج الكثير الكثير دون أن يتمكن من التعبير إلا بإيماءة من وجهه أو الصراخ بمقاطع صوتية لا تمت للغة البشر بصلة أو ببكاء مرير تنفطر له الأفئدة.
مسحت الأم دموعها المنسابة على وجنتيها اللتين حفرت فيهما السنون أخاديدها ، ثم نظرت في وجه الطبيب المتجهم بعينين أغرقتهما الدموع ، ورسمت سنون المعاناة حول جفنيهما هالات سوداء ثم تابعت : -
-( وعليه..فلا ريب انك تظن أنني ارتحت الآن برحيله ..إذ لن أضطر لأعداد وجبات إضافية خاصة له تتناسب ووضعه الخاص عدا تلك التي أعدها للأصحاء من أبناء أسرتي ، ولن أوقت الساعة للالتزام بمواعيد الدواء ، أو أن أنظف البول والغائط عن جسده الهامد ، أو أن أحمله من السرير إلى النافذة ومن ثم إلى أريكة أسجي عليها جسده لعله يتشبع بشمس لا ينعم بدفئها أو يداعبه نسيم لا يهنأ برقته..وحيث أني لم أعد مضطرة للبقاء إلى جانبه طوال ساعات النهار فانك قد تغبطني أن بامكاني الآن أن أتنزه مع الصديقات أو أسامر الجارات دون أن ينغص علي القلق ..أعلم أنك قد تفكر بهذه الطريقة أيها الطبيب ، وقد تكون معذورا ..ربما تظن كذلك أنه لن يمنعني بعد موته شيء من الإغراق في نوم هاديء مستمتعة بمداعبات زوج محب دون أن يقض مضجعي القيام لتفقده مرات ومرات .).
صمتت المرأة قليلا ريثما مسحت دموعها المنسكبة دون انقطاع ، وظن الطبيب أن استرسالها في سكب أحزانها قد قلل منها ، فمد يده إلى الملاءة البيضاء ليغطي بها وجه الجثمان، بيد أن يد المرأة الثكلى أمسكت بساعده وتوسلت :
-( أرجوك لا تفعل .. سيغيب القبر وجهه إلى الأبد بعد ساعات معدودات ، وسيقف التراب حاجزا أبديا بين عيني ووجهه..فلا تحرمني لحيظات أتأمله فيها وأداعب شعره..أنظر إليه..أليس جميلا؟ أعلم أن الجميع يعتريهم النفور لرؤيته ، ولا يمنعهم إلا الإشفاق من التعبير عن ذلك ..فهو شاب في حجم طفل ..توقف نموه في ربيعه السابع إذ ضمرت عضلات جسده بعد أن ألقى أشرار تبخرت إنسانيتهم بضرباتهم الشرسة على عظام رأسه الغضة فتوقف الدماغ مكرها عن أداء وظائفه.، وأضحى حيا ميتا ، وها هو الآن يلفظ أنفاسه الأخيرة قبل أن يكمل ربيعه السابع عشر وحجمه حجم طفل في السابعة ..أنني أرى الإشفاق في عينيك أيها الطبيب ، وأقدر شعورك ، بيد أني أتوسل إليك إن أردت إحسان عزائي أن لا تظن أنني سأرتاح بعد موته).
تناولت آخر منديل في جيبها ومسحت به عينيها المحمرتين بلون الشفق لفرط البكاء، ثم فاض وجهها بابتسامة ريانة بالمودة والحنان للفتى الميت ،وواصلت:-
-(كل امرأة تحتضن رضيعا أيها الطبيب ترى في قسمات وجهه الصغيرة مرآة حلم تعكس صورة شبابه الرائع ، أجل تراه يحبو ثم يخطو ثم يعدو ، ثم....، لهذا تحبه أكثر وأكثر كلما رأت أكمام حلمها تتفتق عن شباب زاهر ريان بالحياة ، لهذا أحببت هذا الفتى دون سائر أبنائي ضعفين ..أحببته لأني حلمت وطمحت لرؤيته يرفل بأثواب الشباب النضير ، وأحببته لأنه لم يتمكن من الرفل بتلك الأثواب ..بل لا أبالغ إذا قلت أنني أحببته ثلاث أضعاف لبقائه معي وتحت ناظري طوال الوقت ، ميزة أخرى..قد يبدو الأمر مختلفا بمفهومك ؟؟..حسنا ، دعني أوضح لك ..ألا تراه قد لفظ أنفاسه في ربيعه السابع عشر بعد أن توقفت طفولته قسرا عند عامه السابع ناهيك عن فقدانه بقية حواسه ؟ لذا فقد ظل طفلا ، وان دارت الأكوان دورتها لعشرة أعوام لاحقة فقد ظل جاثما على عتبة الطفولة لم يتعداها ، ونحن الأمهات تبتهج قلوبنا أيما ابتهاج عند قضاء حوائج هذه الكائنات الطفولية الجميلة التي تعتمد كليا على حبنا وحناننا الفطريين ..لذا فقد أبهج هذا الفتى المشلول قلبي أكثر من غيره أعواما طويلة متتالية)
ثم دنت من الجثمان المسجى وطبعت على الجبين البارد كالثلج قبلة الوداع الأخير ، والتفتت نحو الطبيب الذاهل بعينين جف فيهما الدمع وقالت بلطف :
-(شكرا لاستماعك إلي طوال الوقت..بامكانك الآن أن تغطي وجهه كما تشاء فقد ودعت جسده..أما روحه فستظل معي مرفرفة حولي بكرة وأصيلا حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا)
ثم استدارت مغادرة الغرفة بخطى ثابتة ، فيما كان الطبيب يسبل عيني الميت ويغطي وجهه.
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب