شعرت بانقباض في نفسي لم آلفه من قبل ، وبرغبة في البكاء تجتاح كياني كله ، إذ كنت أدرك ما ينتظرني في تلك الحجرة القائمة في جناح الأمراض الباطنية من المشفى المركزي ى..وقفت مترددا للحظات حاولت خلالها أن استجمع شجاعتي ، وأصطنع ابتسامة مطمئنة علها تترك أثرا طيبا في نفوس أولئك الأشخاص ضحايا المرض الفتاك في الداخل ، ثم طرقت الباب بلطف ودخلت.
كانوا رجالا ثلاثة في خريف العمر ..تساقط شعر اثنين منهما تحت وطأة العلاج الكيماوي . وان كان الثلاثة بدوا وكأنهم تقاسموا حصتهم من الاصفرار ، إلا أن ثالثهم بدا أكثر حيوية من صاحبيه ، لا سيما أن صلعته الوقورة كانت بفعل السنين لا بفعل العلاج الثقيل.
ألقيت تحية الصباح مبتسما ، ثم قدمت نفسي أليهم كطبيب مناوب لذلك اليوم قبل أن أشرع في فحصهم كلا على حدة.
كان صاحب السرير الأول في الخمسين من العمر، شارد الذهن ، مذعور النظرات ، منتفخ الأطراف والبطن ، لم يبد حماسة لأحاديثي ومواساتي الحذرة بل استسلم بصمت تام لإجراءات الفحص ،واستمع بشرود لإرشاداتي دون أن يعلق ولو بإيماءة من رأسه.
واقتربت بعدئذ من صاحب السرير الثاني الذي بدا في الأربعين ، فألقى بصحيفته جانبا وتمدد على السرير باستسلام تام والابتسامة لا تفارق محياه الشاحب ..تسود روح الدعابة حركاته وسكناته طوال دقائق الفحص كمن لا يبالي بالمرض بل ويتحداه..كان بريق عينيه الغائرتين في محجريهما يعكس رغبة حميمة لديه أن لا تمر ثانية من ثواني الحياة دون أن يمتص منها عصارة البهجة والمرح، الأمر الذي أزاح عن كاهلي شخصيا عبئا ثقيلا كطبيب يخوض معركة شاقة مع مرض عضال يعجز الطب عن شفائه.
ثم اقتربت من السرير الثالث حيث رقد أكبرهم سنا ،علمت منه أنه أستاذ في الآداب يحاضر في إحدى الجامعات، فتولد الانسجام سريعا بيني وبينه ، انسجاما تجسد في متعة تجاذب أطراف الحديث حول الشعر والقصة والنقد الأدبي ، أما هو فقد غمره إحساس بالسرور أناح تسلل قليل من اللون الوردي إلى وجنتيه الباهتتين عندما رأى في طبيبه الشاب ميلا للأدب واحاطة ببعض جوانبه ، فاسترسل في حديثه الذي قطعته بأدب معتذرا بانشغالي وضرورة معاينتي لبقية المرضى في الحجرات الأخرى واعدا إياه بزيارة أخرى .
كان ذلك اليوم الذي يسبق نهاية الأسبوع حيث ودعت زملائي ومرضاي ، وانطلقت إلى البيت مستبشرا بيوم إجازة مريح لا يطاردني فيه شبح معاناة الآخرين، لأقضي يومين أعود بعدهما إلى عملي في المشفى .
بدأ يوم عملي بنشاط بعد انقضاء الإجازة واتجهت نحو الحجرة إياها وبي شوق للمرضى الثلاثة .
كان صاحب السرير الثاني مستلقيا تغطي جريدته وجهه ، وجهاز المذياع الصغير يبث أنغاما مرحة تنعش الروح ، فيما خلا السريران الآخران.
-(طاب يومك يا صاحبي)..ألقيت عليه التحية واضعا ما كنت أحمل تحت إبطي من ملفات على منضدة صغيرة بجانب السرير .
-(ويومك أيها الطبيب. كيف كانت إجازتك) سألني ووجهه يطفح بالابتسام.
-(كباقي الأيام) أجبت واجما، قبل أن أتابع :( وأين صاحباك؟؟) سألت بتردد وقد اعتراني انقباض في النفس وخلجة في الفؤاد كمن ينتظر سماع خبر محزن .
فطوى الجريدة ووضعها على المنضدة المجاورة لسريره ، ثم ابتسم بأسى وقال:-
-( أما صاحب السرير الأول فقد رحل إلى هناك) وأشار بيده نحو السماء ، ثم تابع : ) وإما صاحبك أستاذ الآداب فقد تعافى وعاد إلى بيته). ثم غمز بعينه ممازحا وأشار بيده إلى صدره قائلا:-
-(أما أني –فكما تراني – أنتظر).
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب