في هذه الليلة الجميلة..أنت الأجمل..)

قرأت بعينين جذلتين العبارة المكتوبة بخط جميل على بطاقة التهنئة التي أرسلها لها (علاء) ليلة رأس السنة الميلادية ،واحتارت للبريق الذي شع من عينيها عند قراءة الكلمات الجميلة التي كانت آخر ما قرأت عشية اليوم الأخير من العام الذي يوشك أن يطويه القدر في سفره العظيم آذنا بميلاد عام جديد. أهو بريق فخر بإطرائه البليغ؟
 
أم بريق جذوة الألم التي تخبو حينا وتتقد أحيانا في فؤادها بعد أن صارحها بحقيقة خطبته لابنة عمه التي تعيش في بلاده البعيدة برا بالوعد الذي قطعه لأبويه قبل سفره لتلقي العلم في بلادها؟

انه القدر الذي لا نملك له ردا، هو عين القدر الذي دفعها وصديقتها للعيش في شقة مجاورة لشقة يستأجرها طالبان عربيان يتلقيان علومهما الطبية، وكانت المصادفة هي التي دفعتها للخروج إلى الشرفة في ذلك النهار الخريفي الجميل لاحتساء قهوتها، حيث كان (علاء) جالسا على الشرفة المجاورة ساهم الفكر، مرسلا نظراته التائهة في الفضاء يتبعها بنفثات من دخان سيجارته  وكأنه يحادث أشباحا تقف إزاءه في الفضاء الرحيب، ولم يكن يفصل شرفتها عن شرفته سوى قضبان من الحديد تصطف بشكل طولي على ارتفاع متر واحد من أرضية الشرفة.

-(طاب نهارك) حيته بدافع من حسن الأدب مع الجار.
-(ونهارك أنت أيضا) أجابها (علاء) بلكنة كشفت هوية غربته.
-(يبدو أنك لست من هذه البلاد) سألته بابتسامة عذبة.
-(كلا..أنا طالب عربي أتلقى علومي الطبية هنا)

كان هذا اللقاء ألتعارفي المقتضب فاتحة لفاءات متكررة على الشرفات ، اكتسب خلالها (علاء) ثقتها بأدبه الجم، فكان أن لبت وزميلة سكنها دعوة لشرب القهوة في شقة الغريبين، تلاها ذهاب معه إلى المسرح، ومن ثم خروج للنزهة في الحديقة المجاورة للبحر ليتمخض ذلك عن وقوع كل منهما في حب صاحبه حيث غزا (علاء) قلبها  بحيائه الفطري المتناغم مع قوة شخصيته، إضافة إلى حسن هندامه وأناقة مظهره ..
 
ناهيك عن كونه قليل الكلام وبليغه في آن واحد، طموحا واضح الهدف الذي يسعى نحوه بإصرار ورباطة جاش ،محبوبا من أصدقائه وأبناء جلدته جميعا.
 
أما هي فقد غزت قلبه بجمالها البسيط الذي يضاعف منه لطف محياها ودوام تبسمها، وجدية نادرة لا تنقص من سحر أنوثتها شيئا.

ومع ذلك فقد كان لكليهما ما يخفيه عن الآخر من هواجس وهموم كانت ظلالها ترافق كل جلسة يجلسانها على المقاعد الصخرية أو الخشبية التي تعج بها الحديقة المجاورة للبحر، أو كل خطى ينقلاها على رمال الشاطئ في نزهاتهما الطويلة.. وبدا وكأنهما اتفقا بصمت على أن لا يخوضا في أي أمر من شأنه أن يفسد لحظات البهاء الذي صبغ حياتهما مذ تعارفا إذا ما أفضيا بمكنونات قلبيهما، وكأن نفسيهما قد امتلأتا حرصا أن لا يفسد انسهما ببعضهما شيء، ولا سيما هي التي كلما رنا إليها بنظرة أحست بعينيه تتملقان روحها لا جسدها اليافع، الأمر الذي ميزه عن أبناء جيله الذين لا يتوانوا عن إرسال نظراتهم المسعورة الشبقة لتنهش كل فتاة تمر من هنا أو هناك، بل إن هداياه وباقات الزهور التي دأب على تقديمها لها كانت جميعا رسائل حب عبر بريد الأرواح لم يكن لرغبة الجسد فيها نصيب.

لقد توطدت عرى المودة بينهما مع اشراقة كل نهار ينشق عنه رحم الزمان الخصب، بيد أن المودة في أمتن صورها لم تكن كفيلة بمنعها من أن تقرأ في عينيه ما يشعرها انه يخفي عنها شأنا  جللا برغم دأبه على مصارحتها بكل صغيرة وكبيرة من أمور حياته، حتى في دقائق أمور دراسته التي لا تفقه منها شيئا، بيد أن ذلك السر الكامن في عينيه كان دوما يثير لديها فضولا يمنعها من الإحساس بالأمان التام مع الشاب الذي ألفه جميع من عرفوه بمن فيهم زميلة سكنها البدينة التي لا تطيق حتى ذكر الرجال . فكان إحساسها المتشكك دافعا قويا لها للتوقف عند حد ثابت لا تتعداه في العلاقة المتوطدة يوما بعد يوم.

-(ترى أي شيء تخفيه عني أيها العزيز؟) سألته بما يشبه الهمس وهي ترفع إلى شفتيها كوب الكابوتشينو الساخن وهما جالسان متقابلين في المقهى الفخم في وسط المدينة  بمحاذاة الجدران الزجاجية التي تمتعا من خلالها بمرأى الثلج المتساقط بغزارة في الخارج مغطيا هامات الأشجار بغلائل بيضاء.

-(أتدرين..؟.) بدأ (علاء ) حديثه مترددا، ثم لمع بريق من الإصرار في عينيه يواكبه ألم غطى قسمات وجهه فتابع: (ترى ماذا ينبغي على المرء عمله إذا خطب فتاة فائقة الجمال، واسعة الثراء ، حبيبة إلى قلب والديه، مغرمة به، فيما فؤاده منجذب إلى فتاة أخرى؟)

هكذا سألها وكأنه أحس بالإلحاح المعتمل في داخلها لمعرفة السر المدفون وراء أهداب عينيه كلما نظر إليها ، فكان سؤاله كجواب .. بل كأجوبة على تساؤلات متكررة همست بها مرارا في أذن نفسها بلسان الحال لا بلسان ألقال.

-(لا شك أنه والحال هكذا  واقع بين أمرين أحلاهما مر)

أجابت وقد أدركت بذكائها الوقاد أنه يعني نفسه بسؤاله، ولم تنبس بعد ذاك ببنت شفة بل تركت له دفة الحديث يديرها كيف يشاء، فاسترسل يحدثها عن خطوبته غير المعلنة لابنة عمه في الوطن البعيد تلميذة المدرسة الحسناء والمتيمة به من خلال صوره وأحاديث الأهل عنه، وعن رغبة والديه المحمومة للاقتران بها دون سواها ..وعن....

كانت كلماته سياط عذاب تلسع روحها كسياط جلاد ألف الجلد دون رحمة أو هوادة، فهمت أن تصرخ في وجهه (كفى..)، بيد أن كبرياءها الأنثوي كتم كل ألم في داخلها ، فاستجمعت فلول الشجاعة في نفسها لتحافظ على رصانتها وتمسكها للظهور بمظهر صديق يستمع باهتمام لشكوى صديقه

-(وما الذي يدفعه للانجذاب إلى فتاة أخرى أيضا طالما هو موعود بخطيبة تمتلك كل الصفات التي تجعل منها محطا لآمال الرجال ؟) سألته بغتة ولكن بذهن شارد، كمن يلقي بالقول ليشارك جليسه الحوار لا غير.

-(ربما لأن القلب لا يخفق لها خفقانه المعهودة لدى العاشقين، بينما يخفق الخفقات ذاتها كلما رأى الأخرى أو حتى ذكرت أمامه.
 
أما كونها محط آمال الرجال فهذا ما يشعل  الغيرة في قلبه كلما سمع أن رجلا ما قد تقدم طالبا ليد خطيبته التلميذة)

-(ها ها..الآن فهمت: إن حال هذا الرجل كحال كلب شبعان، لا يريد أكل العظمة وفي الوقت ذاته يضن بها على الآخرين بل وينبح كل من اقترب منها) أفلتت من بين شفتيها الكلمات بدافع لم تستطع له إيقافا فيما ضحك هو إعجابا بالمقارنة وان كان مهينا له أن يضرب له مثلا بالكلب، ولكنها الحقيقة التي لا يضيرها بأي شيء يضرب لها مثلا.

كان الثلج قد توقف في طريق العودة حيث سارا بصمت لا يقطعه سوى خشخشة الثلج تحت أقدامهما. أدركت الآن ما لها وما عليها إدراكا أشعل نيرانا عدة في فؤادها الغض أنساها برودة الثلج المتراكم حول درب العودة، أما هو .. صاحب القلب الواقف على مفترق طريقين لا يدري أيختار الأول فيحظى ببهجة قلبه ومرام روحه ويغضب الوالدين ويحطم فؤاد ذات القربى،
أم يسير على الآخر المفضي إلى زواج سعيد و عروس مثالية ورضا والدين هرمين محطما قلب فتاة لا ذنب لها سوى أنها أحبته ..
 
فكانت أطياف الأسى تعتريه وهو ينظر إلى وجهها المقنع بالهدوء ويتذكر كيف احتاج إليها أنيسة في غربته بادي ذي بدء ثم  اكتشف بعد أن تسلل حبه إلى فلبها أن لا فكاك للقلب من حب لا مستقبل له ولا خلاص منه في آن.

أما هي فكانت تجدف في خضم من التساؤلات: - ( ترى ما الذي علي فعله الآن..أأمثل دور الصديقة التي تمده و تمتد منه بالأنس ، أم أبحث عمن يملأ قلبي وأملأ   قلبه كما هي الأعراف في مجتمعي ؟ وهل ترى القلب سيفرغ منه بعد أن امتلأ بحبه؟ ثم كيف يمكن للنفس أن تمحو هذا الكم الهائل من الذكريات الجميلة التي تملأ الزمان والمكان؟)

وأما الزمن ..فكان يطوي صفحات قصتهما بمرور الأيام كطي السجل للكتب، فيعود (علاء) ذات صيف إلى وطنه ليعود بعد شهرين حاملا خاتم الخطوبة في إصبعه ، لتتباعد لفاءاتهما ، ويغيران من بعدذاك أماكن السكنى رغبة في النسيان بتغيير المكان ، فإذا ما تقابلا صدفة حيا أحدهما الآخر وسأل عنه بلسانه فيما يحمل كل منهما في قلبه من حب صاحبه ما يحمل.

 

********
أفاقت على سريرها في المشفى الجراحي منهكة مثقلة الرأس بفعل البنج بعد أن خضعت للجراحة رغبة من الأطباء في كشف مصدر الآلام التي تطبق على الجزء الأسفل من بطنها بشكل متكرر، كان أخوها الأصغر يقف إلى جانب السرير دامع العين فاستدار بغتة عندما رآها تفيق من البنج في محاولة لإخفاء دمعته

 

-(رباه..ما عساهم وجدوا في بطني) سألت بذعر أمها الجالسة على مقعد بجانب السرير، فأجهشت الأم بالبكاء وأمسكت يدها بحنان غذي بحرقة الدموع المنسابة بغزارة على خديها غير قادرة على النطق بشيء.

 

-(أخبروني بحق الله) كررت السؤال بتوسل وذعر.

 

اقترب أخوها من سريرها باكيا لينبئها أن الأطباء اكتشفوا ورما في الرحم دفعهم لاستئصال الرحم بأكمله تفاديا لانتشاره في جسمها ، وإنقاذا لحياتها.

 

-(يا لله) أنشجت برعب وبأسى..(هل معنى ذلك أنني لن أحظى قط بحمل جنيني كما تفعل الأمهات ؟؟ ولن أحظى يوما بمتعة إلقامه ثديي ليرضع  ؟ لا أكاد أصدق هذا.. انه لقدر قاس..قاس جدا)

 

وأغرقت تنشج في بكاء مرير  تتقطعه زفرات الألم والحسرة على أمومة وأدها القدر قبل أن تولد ..ومن خلال الدمع المنساب لمحت (علاء) واقفا لدى الباب يبكي لبكائها وقد كست وجهه غمامة من الحزن والألم لا يقلان صدقا وعمقا عن ألمها وحزنها ، فنظرت إليه في غمرة الألم .. وكادت أن تنشق شفتاها عن ابتسامة خرساء، فتمتمت قائلة له بصوت ضعيف لا يكاد يسمع:
-(حتى لو أردت حقا..ما كنت لتستطيع).
 
 

المراجع

syrianstory.com

التصانيف

الادب   قصص   الآداب