1-
عندما وطأت قدما (حنا) أرض المدينة الغريبة مشحوذا بالأمل في مستقبل علمي باهر ، رحل بحثا عنه إلى بلاد الجليد ، كان أول ما صادفه صخب الحياة الغربية التي طالما سمع عنها من قبل ليراها الآن عيانا فيتسرب الخوف إلى نفسه ،وترتعد أوصاله هلعا على فقدان أغلى ما يملك، فتحسس قلبه لا محفظة نقوده متلمسا إيمانه وقيمه التي تربى عليها في الشرق الأصيل خوفا من أن تمتد إليها أيدي لصوص الانفتاح والإباحية .
وضع حقائبه في السكن العام للطلبة ،ثم اغتسل وارتدى ملابسه ميمما مركز المدينة باحثا عن هدف وحيد سرعان ما وجده قائما بين زحمة المباني بقبابه المميزة فدلف عبر الباب الكبير إلى داخل  الكنيسة التي خلت من المصلين ، ورفع يديه في هيئة صلاة وبدأ يتمتم مصليا سائلا الرب أن يحميه من الشرير المتمثل في إغواء النساء ورفاق السوء ليخرج بعدذاك وروحه تترنم بترانيم المجد الأخروي المختلفة تماما عن نشاز الحياة الأرضية الملوثة.
كانت الشوارع  مع حلول المساء مكتظة بالناس الذين يرطنون بلغة لا يفهمها ،فسار وحيدا مستكشفا المدينة التي سيقضي فيها أعواما خمسا ريثما ينال شهادة في الهندسة يكافيء من خلالها أبا أرهقته السنون والشتات والعمل المتواصل ، ويساهم بها في بناء حياة كريمة لأسرة رعته صغيرا ليرعاها كبيرا.
توقف فجأة أمام مبنى كبير على ناصية الشارع مباشرة خطت على يافطة في واجهته عبارة( بريد) بأحرف زرقاء ،فهاجت بلبابه ذكرى الأهل الذين فارقهم للتو ممتطيا الطائرة التي ألقت به بعيدا عنهم آلاف الأميال في ساعات معدودة لتنقله إلى عالم لم تطأه قدماه من قبل، ففاضت عيناه ودخل إلى المبنى مبتاعا بطاقة بريدية  خط عليها عنوان الأهل وعبارة مقتضبة:((وصلت بحمد الله، أنا بخير، صلوا من أجلي.حنا)) ليودعها صندوق البريد بعد ذلك بيد ترتجف حنينا للأهل والأصحاب.
مضى اليوم الدراسي الأول شيقا ..حيث بدأ دروسه الأولى في لغة أجنبية سيتحتم عليه إتقانها أولا ليتمكن من دراسة الهندسة ، وعلى مقاعد الدراسة تعرف على مواطنه الشيخ (عثمان) الذي جمعه به الرغبة الكبيرة في النجاح وتحقيق الطموح أولا ثم الرغبة في الحفاظ على قيم الشرق الأصيل ، وضرورة التحوصل حولها  كي لا يجرفها تيار الحياة الإباحية التي تسير في سائر بقاع الغرب تقودها الغرائز والقيم المادية ، فأنس كل منهما بصاحبه وقررا العيش معا تحت سقف غرفة واحدة في السكن العام للطلبة.
كان الشيخ (عثمان) دمث الخلق، طويل الصمت ، مجدّاً مجتهداً ، يرى في دراسة الهندسة وسيلةً للتقرب إلى الله وزيادةً في رصيد الأعمال الصالحة التي يدخرها لفراديس الحياة الآخرة، يشحذه الطموح لرقي الأمة ورفعتها عبر مضاعفة الكفاءات بين أبنائها ، ويتقطع قلبه أسى لرؤية الشباب العربي غارقاً بين أطياف الملذات في حياة الغرب ، متناسياً ما تربوا عليه من قيم أصيلة ، فاعتزل في مسكنه لا يخرج منه إلا إلى الجامعة أو للتنزه وحيداً على شواطيء البحر محملاً نورسه السلام إلى الأهل في الوطن البعيد المنتظرين عودته بشهادة الهندسة .. حتى تعرف إلى (حنا) الشاب المسيحي ذا الخلق الدمث ، والتربية المحا فظة فأنس إليه ودعاه للإقامة معاً في سكن واحد.
كانت الأيام تمر تباعا والصديقان على حالهما، تتوطد َ عَرى الصداقة بينهما ، هذا يولي وجهه شطر الجنوب مصليا ً خَمسه ، ويسترق الخطى أيام الجمع نحو مسجد المدينة  خائفا ً يترقب ، ويلتمس أماناً في محرابه بين يدي ربه..وذاك يتوجه نحو كنيسته موليا ً وجهه الشرق في أيام الآحاد مصلياً لربّ يؤمن به طالبا عونه ومدده ، وما عدا ذلك لا يفرقهما شيء..فمائدة الطعام العربي واحدة ، ومواد الدراسة واحدة ، ناهيك عن الهدف الواحد.
 
-2-
 
كانت السيارة تسير بسرعة متوسطة ، فالمطار ليس ببعيد ، وأمام المسافر متسعٌ من الوقت لحين إقلاع طائرته ، مما مكن السائق من التمتع بجمال صفوف الأشجار الحرجية التي تزدان بها ناصيتا الطريق بعد أن غسلها المطر في  ذلك الصباح من صبيحات  تشرين ما ترك على جذوعها ألقا ينبثق كلما داعبته أشعة الشمس المتسللة خلسة ً من بين الغيوم .
أما (حنا) الجالس في المقعد الخلفي بين فتاتين شابتين فكان موزع الأفكار شارد الذهن ، لا يكاد يلحظ الطبيعة من حوله ، لا ولا الفتاتين اللتين أمسكت إحداها بيده اليمنى والأخرى بيده اليسرى ...لأن خضم المشاعر المتناقضة كان أكثر هيجانا من قدرة المرء على ترتيب أفكاره ، ناهيك عن قدرته على الاسترخاء والتمتع بجمال الطبيعة ، أو بحسن إحدى جارتيه أو كليهما...فهو ذاهب ٌ إلى بلاد الدفءِ من جديد ...إلى أرض الوطن الدافئة بشمسها وبأهلها مودعاً بلد الجليد إلى غير رجعة حاملا حقيبة ملابسه وبعض الهدايا ، وشهادة في الهندسة ، ورفيقتي سفرٍ ٍ سينتهي العهد ُ بهما بعد قليل ٍ على أرض المطار ، ولن يحظيا بأكثر من كفٍ لوداعيهما ووداع بلدٍ عاش فيه ردحا من شبابه ..صارعته فيه نفسه وصارعها ، صرعها مرّةً وصرعته مرات .
نظر إلى (ماريا) الجالسة على يمناه تبكي بمرارة ...وتساءل : ( أوَ يغفر الرب خطيئة فؤادٍ متحطمٍ غدا هشيماً بعد أن أينع عشقاً ) ؟؟...لم يكلف نفسه عبء البحث عن جوابٍ لم يجده...أجل لقد أحب (ماريا) وأحبته .. ولم يعِ في غمرة انجذابه دوافع حبه: أهي الحاجة إلى رفيق في الغربة...رفيق تختلف رفاقيته عن تلك التي عايشها  مع (الشيخ عثمان) وغيره من الزملاء والأصدقاء العرب؟؟، أم هي الرغبة الغريزية التي تستعر في أعماق كل إنسان ..لا تنطفيء ذبالتها إلا بتفريغها بشكل أو بآخر؟ حتى إذا بهتت في عينيه بعد أن نال كل شيء أخبرها أن لا مستقبل  لحبهما ، لتعالج هي بعد ذاك جرحاً بجرحٍ ، فتتزوج ُ رجلاً لا تحبه ، ممنية نفسها باستخلاص ترياق ٍ للحب من  ثمرة النسيان ، حتى إذ أدركت استحالة النسيان هبت لوداع ِ (حنا) حبيب الأمسِ وقضاء سويعة أخيرة إلى جانبه في رحلة المطار الأخيرة غير مبالية بوجود عشيقته الجديدة  معه.
تقطع فؤاد (حنا) من جديد وهي يرقب دموع (ماريا ) تغسل وجنتيها، ثم نظر إلى يسراه لتلتقي عيناه بعيني (لودميلا) اللعوب  ، التي قضت معه ما تبقى من سنين غربته بعد أن ذهبت (ماريا )  في حال سبيلها ..كانت مسحة خفيفة من الاستياء الذي لا يرتقي لمستوى الحزن تغطي وجهها وهي تهم لفراق عشيق ، لا يلبث أن يسد فراغه عشيق جديد ، ولكنه كان عشيقا كريما ، يمتلك غيرة العربي الذي يشعرها بقيمة أنوثتها ، شعوراً تهونُ معه بعض القيود .
أشاح (حنا) بوجهه ناظرا في الأفق الممتد أمامه ، مستعيداً ذكريات سنين مضت من شبابه...أخذت منه الكثير وأعطته الكثير..محاولاً عقد مفاضلة بين ما فقد وما اكتسب دون جدوى ، فالمقارنات لا مكان لها لكثرة التعقيدات: أيقارن الإيمان المفقود بشهادة الهندسة؟ طالما همس لنفسه :( أنه إنسان...وللنفس الإنسانية احتياجاتها، والإنسان مدني بطبعه يتفاعل مع الآخر وإن خالفه، والأقوى هو الذي يصهر الآخر بقالبه؟)  ولكن: ( ألم يصمد (عثمان) لفترة أطول ويتحوصل حول قيم الشرق الأصيل ؟...بلى : ولكن ما جدوى ذلك وقد تفاعل هو الآخر فيما بعد وانصهر في بوتقة القيم الغربية ، ولم يتوقف عند حد تلبية الغرائز ، بل تجاوز القيان إلى الكأس ... أهي احتياجات الجسد فقط ، أم احتياجات الروح للأنس بالآخر، أم أن ذلك كله تبرير للخطيئة؟)
-(وصلنا سيدي ، أتمنى لك سفرة سعيدة)
أيقظه السائق من غيابة التأمل التي ودَّ لها أن لا تطول لثقل وطأتها على نفسه .. لمح وجه السائق من خلال المرآة ، كان ينظر شزراً إلى الفتاتين وكأنه يدين خروجهما لوداع عربي...نقده أجرته وهبط متجها نحو مبنى المطار بخطى وئيدة كمن يستعجل أمرا، بذلت (ماريا) جهداً للتماسك في اللحظة الأخيرة ، فيما ابتعدت ( لودميلا) خطوات غير قليلة عنهما  ربما لجلال الحزن الذي لف كيان (ماريا) فأثر في نفس (حنا) الذي لم يفلح في كبح جماح دمعه الذي سال على وجنتيه المحمرتين بفعل برد  تشرين
 
 

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب