لي أنا؟
-نعم لك وحدك حبيبتي
-ألله...أنت تعلم كم أعشق الورد حبيبي
-يليق بالورد أن يُهدى لربته حبيبتي
استيقظ من ذكرياته على وقع أقدام الأطباء والممرضات الذين ولجوا الغرفة في جولة المساء لتفقد المرضى ، ابتعد قليلا ليتيح لهم المجال لفحص زوجته الغارقة في غيبوبتها منذ أسابيع ، ووقف في الركن متابعا وجهها الخالي من التعابير ، فيما طفق كبيرهم يكتب في ملفها موصيا بفحوص جديدة ، ومعدلا في جرعات الأدوية مضيفا أخرى ، قبل أن يخرج ورهطه الطبي دون تعليق ، إلا من وصايا متكررة له بأن يخلد إلى الراحة ولو قليلا ، لينطق بجوابه المعتاد مرفقا بابتسامته الواثقة:
- شكرا لكم ..راحتي في البقاء معها..صدقوني
جلس من جديد على المقعد المجاور لها ، وأمسك بيدها ليطيل النظر في الوجه المكفن بالصمت باثَّا إياه ما فاض به الفؤاد من حب لا محدود ، حب لم تطفئ الغيبوبة القسرية وهجه ولو لساعات ،فهو لم يمل البقاء إلى جانب زوجته الحية الميتة يراقبها ويستشعر قرب روحها المحلقة في آفاقٍ يجهلها بعيدا عن العالم الأرضي ، ممنيا النفس َ بحتمية إفاقتها ذات يوم ٍ وإن بعُد... رافضا لليأس أن يتسلل إلى نفسه ، ممنيا النفس بحدوث معجزة يجترحها القدر...
كانت بين الحين والحين تفتح عينيها وتشخص في اللامرئي، ورغم علمه أنها قد لا تراه ، فإنه يطيل النظر في نظرتها الخرساء ، ذاكرا لحيظات العشق في بدايته عندما كان يقرأ في تلك العينين الجميلتين كلمات لا يتقن النطق بها إلا العيون ، كما لا يتقن قراءتها إلا العيون كذلك.
حاولت شقيقته إقناعه بعدم مجيء ابنه ذي العامين إلى المشفى إلا أنه كان يصر أن تأتي به ، ويقضي معه الساعات قبل أن تعود به عمته إلى بيتها ...كان المرضى والمراجعون والأطباء على حد سواء يدهشون للمرح الظاهر على وجهه ، وهو يرفع صغيره في الهواء مناغيا وملاعبا .. ويترك لصغيره العنان لينثر شعر والده ضاحكا وقائلا : ( حَمَّم..حَمَّم ) في تقليد لفعل الاستحمام ، وبعد أن ينهي تقليد الاستحمام يقول برضا ( ميح هيك) أي ( هكذا مليح) .. فيما يضمه بحب ويواصل ملاعبته بصخب يدهش كل من يعلم بمأساة زوجته، وبعد أن يودع صغيره يعود ليقضي الليل إلى جانبها معتكفا على نفس المقعد يصحبه مذياع الجيب الصغير صادحا معظم الوقت بأنغام عذبة .
كان حديث المشفى بأسره بتفانيه النادر وعدم قدرته على فراقها أسابيعا طوالا لا في ليل ولا في نهار دون أن تفارق الابتسامة الودودة محياه كذلك ، وكأنه كان يستمد من حبها بريقا سرمديا لروحه يترجم على هيئة ابتسامة كلما ذكرت أمامه أو تلقى من الأطباء شرحا عن حالها.. تلك الابتسامة التي أثارت دهشة الجميع وحيرتهم معا واستنفرت محاولاتهم المتباينة للتأويل.
إلى أن لف الظلام المشفى ونزلائه ذات ليلة ، وساد الصمت في الأروقة ، فأمسك بيدها ناقلا النظر بين وجهها الضارب في الشحوب وبين نجمة يتيمة قهر بريقها الخافت الظلام يراها من نافذة الغرفة ..كان بريق النجمة يزداد خفوتا مع ازدياد وجه زوجته شحوبا ، فيما أخذ دفء يدها يحتضر ، أما ابتسامته فكانت تزداد اتساعا ...أخذ بريق النجم يغيب في الظلام الدامس حتى اختفى، وإذ ذاك شهقت الحبيبة شهقة الموت فيما غفت يدها كقطعة الثلج بين يديه ، وازداد بريق ابتسامته التي صبغ نورها وجهه ، لينهض عن مقعده ذاهبا إلى ممرضة القسم التي ردت على ابتسامته بمثلها ..ليقول :
-أوصِ من يعتني بالجسد حتى الصباح في ثلاجة الموتى ..أما الروح فهي معي ترافق كل ذرة في كياني
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب