بدأ الطالب أنريكي بيراسي التشيلي البالغ من العمر ثلاثة وعشرين عاماً نمط حياة جديدة بعد أن اختار عزل نفسه على مدى ثمانية أشهر على أن تكون وسيلة اتصاله الوحيدة بالعالم شبكة الانترنت لتلبية كل احتياجاته.. وقال بيراسي الطالب في كلية الصحافة أعلم أن كل شيء متوفر على الانترنت، وسيكون الرابط الوحيد بينه وبين العالم الخارجي هو كابل يرتبط بالهاتف وجهاز الكمبيوتر.
وفي مسلسل "جواهر" البدوي الخليجي الذي كتب نصه الشيخ محمد بن راشد آل المكتوم وزير دفاع دولة الإمارات وولي عهد إمارة دبي، وقد بث المسلسل قبل تسع سنوات، تبدو حياة البدو وأحداث المسلسل طريفة وملفتة، حيث ينتصب طبق الدش (لاقط المحطات الفضائية) أمام بيت الشعر في الصحراء، ويستخدم البدو والرعاة الهاتف النقال.. ويلاحظ أن الرعاة والبدو يستخدمون الهاتف النقال في الأردن على نطاق واسع.
المثالان السابقان يشكلان نسبة ضئيلة من أنماط الحياة والعمل الجديدة واتجاهاتها التي تعيد صياغة الحياة والمجتمعات على نحو جديد مختلف كثيراً عما عهدناه.
والسؤال البديهي الذي يترتب على هذه المتوالية ما صيغة المجتمع والعلاقات والحياة والمدن والقرى والمؤسسات؟ هل ستبقى على حالها أما أنها ستتغير هي الأخرى تبعاً للتغير التقني؟ ومن المعلوم أن الحياة الحديثة المعاصرة بصيغها المادية والاجتماعية والثقافية نشأت مصاحبة للصناعة، ووسائل النقل، والكهرباء، ..
إذا كنا نتحدث عن عالم تعتمد نسبة كبيرة من خدماته وأعماله على الانترنت فإلى أين سيؤدي ذلك..؟
ثمة أعمال كثيرة جداً يمكن إنجازها عبر الانترنت، مثل الكتابة، والتسويق، ومراجعة المؤسسات والدوائر (الحكومة الالكترونية) وقراءة الصحف، ومشاهدة محطات التلفزيون، ومراجعة المكتبات، وبيع الأسهم، والتعليم والتدريب، والاتصال والحوار، ومن المعروف أن الأعمال في المنازل تتسع وتتزايد، وبدأت مؤسسات كثيرة وبخاصة التي تعمل في البرمجيات إجراء ترتيبات فنية وإدارية لتنظيم عمل مستخدميها من البيوت.
وهذا يعني انتفاء الحاجة للإقامة في المدن أو ضواحيها، فيمكن للمرء أداء عمله والحصول على ما يحتاجه في أي مكان يقيم فيه، وانخفضت وربما ألغيت أهمية المكان في العمل والتواصل، ولذلك فإن المدن المزدحمة كثيفة السكان لم تعد أمراً حتمياً أو قدراً، بل ستشهد تراجعاً، وقد تختفي نهائياً لتعود المدن الصغيرة والبلدات، وسيتحول اتجاه الهجرة ليكون من المدن إلى الريف وليس العكس.
وستنتهي حركة النقل والمواصلات في الصباح والمساء بين البيوت والمؤسسات، وتقل الحاجة إلى وسائل النقل، وكذلك الطرق الواسعة.. فتنكمش المدن وتضيق طرقاتها وتقل فيها المركبات والزحام والضوضاء وتتحول إلى قرية كبيرة.
والتعليم ستتغير مؤسساته وآليات عمله فإمكانية التعليم عبر الانترنت ستقلل من دور المؤسسات (المدارس والجامعات) وبخاصة مع اتجاه الدول والمجتمعات إلى تقليل النفقات، وسيكون التعليم عبر الانترنت وسيلة فعالة وغير مكلفة مقارنة مع موازنات التعليم الهائلة التي تتحملها الدول والمجتمعات اليوم.. وهذا سيغير أيضاً من دور المنازل والعائلات، فهي إضافة إلى كونها مركز عمل ستكون أساس تعليم الأولاد أيضاً.
وهكذا فإن البيوت سيتغير تصميمها لتلائم الدور الجديد لها فهي مكان إقامة وعمل وتعليم.. فلا بد أن تتسع وتكون أكثر هدوءاً وخصوصية، وستنكفئ على نفسها بدلاً من أن تطل على الشارع والطرقات لتحقيق مزيد من العزلة والخصوصية.. أي سيعود البيت القديم المتسع ذو الأروقة والأجزاء المختلفة والأحواش والساحات لاستيعاب الأولاد الذين سيكون البيت فضاءهم الرئيسي.
علاقات العمل ستتغير أيضاً.. فهي متجهة إلى الفردية والاستقلالية وستتوقف أشكال التوظيف والهرمية التنظيمية والإدارية ليتحول العمل إلى شبكة تربط الأفراد وعناصر الوحدات والإنتاج ببعضها على قدر كبير من التكافؤ والمساواة والحرية في العلاقة وتبادل الإنتاج والخدمات، وسيكون بمقدور أعضاء الأسرة جميعاً أن يعملوا معاً لإنجاز عمل مطلوب "الأسر المنتجة" تماماً كما كانت وما زالت الأسر تعمل معاً في الحقول والمزارع.
والعلاقات الاجتماعية بسبب حاجة الأولاد إلى التربية والحياة الاجتماعية وبسبب الوقت المتاح بعد أن تحقق حرية كبيرة في إدارته ستتجه إلى التماسك والارتباط، فتعود الأحياء الشعبية المتماسكة والمتعارفة والمرتبطة ببعضها، وتنشأ أيضاً الأسر الكبيرة الممتدة التي تعيش مع بعضها في بيت واحد.
وتغير دور الحكومات والدول، والتحول إلى الاعتماد على الذات والقدرة على العيش في الريف والوقت المتوافر سيجعل الأسر تتجه لإنتاج احتياجاتها بنفسها وبخاصة في التغذية لتوفير النفقات وللانسجام مع الاستقلالية والذاتية فيكون في كل بيت مصدره الغذائي من زراعات وحيوانات منزلية، فلم يعد ثمة ما يمنع ذلك، بل قد يكون مفضلاً وربما حتمياً، وبخاصة عندما تختفي أعمال ومهن كثيرة ويكون الإيراد معتمداً على الإنتاج الذاتي والعمل بالخدمة أو بالقطعة.
وهكذا سيعود المجتمع الزراعي مصحوباً بتقنية متقدمة، كما تنبأ مفكرون مستقبليون مثل توفلر وجاك أتالي، وقد يصحب ذلك تحول ثقافي وحضاري..
فتزيد أهمية الثقافة والفولكلور والحياة الشعبية والموسيقى والأدب والشعر كما كانت أهميتها من قبل لأن الناس سيجدون من الوقت والارتباطات ما يجعلهم ينشغلون بذلك.
وربما تكون العودة إلى الدين، وهي ظاهرة عالمية ليست مقتصرة على دين معين من تجليات ومظاهر العودة إلى المجتمع الزراعي، ويلاحظ أن الظاهرة أكثر انتشارا بين الجيل الجديد، ومن المشاهد الطريفة المنتشرة اليوم في المجتمعات والأسر الشباب والفتيات المتدينون والآباء والأمهات غير المتدينين، وإذا كانت الأسرة ممتدة، فستجد تقاربا بين الجدود والأحفاد وعزلة للآباء.
المجتمع الزراعي الجديد الذي يلوح بالأفق قد يكون مصحوباً بمشكلات كثيرة وبخاصة في مرحلة التحول، وهو ما يمكن ملاحظته من اليوم، فالاقتصاد الجديد يذهب بدخول وأعمال ناس كثيرين، والسياسة الجديدة تنشئ نخباً وعلاقات جديدة، وتذهب بأخرى، وفئات المجتمع تنقسم على نحو جديد يشبه طبقية المجتمع الزراعي، ولكنه يحمل أيضاً إيجابيات وتحديات كثيرة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد