مِن أطرف وأعجب وأغرب ما مر عليّ، قبل ايام، اتصال هاتفي من أحد المعارف يهنئني بوجودي في اللجنة الملكية للنزاهة، ثمّ يطلب مني التوسط له للتعيين في هيئة مكافحة الفساد، وحين أبديت استنكاري للأمر باعتبار أن الواسطة فساد، بل وإن القانون يجرّمها، ردّ ببرود:” طيب خلونا نشوف شو بدها تعمل هاللجنة، الفساد معبّي البلد”.

لست، هنا، أكتب عن اللجنة التي ستقدّم أفضل ما عندها بجرأة وموضوعية، ولكن عن الفهم المجتمعي للفساد في التقليل من حجمه، أحياناً، وتضخيمه في أحيان أخرى، وفي تلوينه إلى أسود وأبيض، وفي استعمالاته السياسية أيضاً.

الفساد فساد، مهما كان حجمه ونوعه، ومجموع مائة رشوة صغيرة بعشرة دنانير رشوة متوسطة بألف دينار، ومائة رشوة متوسطة بالف دينار رشوة كبيرة بمائة ألف، وهكذا نصل إلى رشوة بملايين الدنانير، ولا تكون محاربة الفساد إلا بالنظر إلى هذه كلها، فالبيئة التي تتسامح عن رشوة صغيرة ستسمح لرشوة أكبر وأكبر.

وليس هناك من مجتمع فاسد بالطبع، ولكن هناك بيئات تخصّب الأرضيات التي تنمو فيها تلك النبتة الشيطانية، والمكافحة تعني اجتثاثها من جذورها أولاً بعمل جريء جاد، ومن ثمّ منع نمو البذور المنتشرة، وقد لا يوجد بلد خال من الفساد بشكل كامل، فليس هناك من جنة على الارض، ولكنْ، هناك بلاد تلاحقه وتمنعه صغيراً قبل ان يكبر ويكبر ويصبح أسلوب حياة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باسم سكجها   جريدة الدستور