للمرة الأولى في تاريخ الأردن ، تقوم الحكومة بتقديم بيان اعتذار واضح للمواطنين. ما حدث من خلل في نتائج الدورة الشتوية من امتحانات الثانوية العامة أثر مباشرة على أهالي وأقرباء 41 ألف طالب أردني وتسبب بارباك نفسي هائل يستحق على الأقل مبادرة اعتذار قد لا تكون كافية لمعالجة ما حدث. ولكن هذا الخلل هو بمثابة رسالة واضحة للحكومة ، والقطاع التعليمي في الأردن بشكل عام لإعادة النظر في سياسة وآلية امتحان الثانوية العامة بشكل شمولي ومفتوح على كل الخيارات.

ليست الحلول والمعالجات المطلوبة ترتبط باستقالة الوزير من عدمها ، فهذه مسألة هامشية مقارنة بضرورة القيام بمراجعة تامة لكافة خطوات الامتحان بداية بوضع الأسئلة ، وتصحيحها ، وجمع العلامات ونقلها ورقيا وإلكترونيا وتوزيعها على مراكز إعلان النتائج.

في حالة مثل هذه قد يكون من المجدي إلغاء عملية نشر العلامات إلكترونيا في الصيف المقبل ، والعودة إلى النظام الذي أثبت فعاليته الأكاديمية والأخلاقية والاجتماعية طوال سنوات طويلة حيث تقدم وزارة التربية والتعليم الكشوف المغلقة للمدارس والتي بدورها تعلن النتائج للطلبة بحضورهم الشخصي. لا داعي لكل هذه الدراما وفرص الأخطاء التي تحفل بها عمليات تكرار النقل الكترونيا.

تحت بند رُبَّ ضارة نافعة قد يكون هذا الخلل قد أطلق شرارة البداية للنقاش الوطني المطلوب حول تعديل منهجية الثانوية العامة بطريقة تكفل استمرارية العدالة والمساواة في الفرص التي يكفلها نظام الثانوية العامة الحالي ولكن بدون مظاهر الخلل التي تتمثل في الأعباء النفسية الكبيرة ، والتركيز على نمط الحفظ والتلقين بدلا من الإبداع وتكرار إمكانيات الأخطاء في التقييم. المبدأ الأول في إعادة النظر قد تكون في فك الرابط القسري ما بين الأرقام الثلاثة في خانة العشرات والآحاد والكسور التي يحصل عليها الطالب وما بين القبول في الجامعات والمستقبل الاكاديمي وحتى المهني حيث لا زالت الوزارات والمؤسسات العامة تنظر إلى معدل الثانوية العامة بطريقة أهم من الخبرات العملية. هناك تجارب وبدائل كثيرة يمكن التفكير بها في حال كانت هناك إرادة سياسية للتغيير.

رسميا.. لا أفكار مكتوبة ، باستثناء توصية خجولة ومترردة صادرة عن اللجنة الملكية لتطوير التعليم قبل سنتين تدعو إلى "التوجه على مدى ست سنوات مقبلة لاعتماد نظام الامتحان متعدد المكونات لخريجي مرحلة الثانوية العامة لتخفيف وطأة الضغط الخاص بامتحان التوجيهي". تنتهي التوصية هنا ، بدون توضيحات كافية.

ولكن الأفكار الخلاقة مطلوبة ولا بد من إجراء نقاش وطني عام بشأنها. يمكن مثلا إجراء امتحان خاص للقبول في الجامعات يتقدم له فقط الطلبة الراغبون في الدراسة في الجامعات الأردنية ويركز على المهارات المعرفية والتحليلية الخاصة بكل تخصص فيصبح امتحان القبول في الهندسة مختلفا عن الطب وعن الزراعة وعن الحقوق. ولكن مثل هذه الفكرة قد تجعل الطالب مضطرا للمقامرة بفرصة واحدة للقبول الجامعي بينما يمنح له نظام القبول الموحد ما لا يقل عن 25 فرصة في طريقة لا تختلف أبدا عن اليانصيب الأعمى. لهذا من الضروري عرض كافة الأفكار ضمن منظومة تحليلية تستخلص الفرص والتحديات الموجودة في كل مقترح.

الأردن الذي يفخر بالتعليم ويعتبره رأسمال اجتماعيا رئيسيا في التنمية يحتاج إلى فكر خلاق لتجاوز عقدة امتحان الثانوية العامة وكل ما يرتبط بها وفتح آفاق جديدة تتناسب مع اقتصاد المعرفة ومع توظيف الكفاءات والمهارات المختلفة لدى الطلبة في مكانها الصحيح.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور