تعاملت الحكومة بترحيب شديد مع مضمون التقرير الثاني حول مؤشر الديمقراطية في العالم العربي والذي أصدرته مجموعة من 15 مركزا ومؤسسة عربية تنضوي تحت إطار مبادرة الإصلاح العربي ، والسبب في ذلك ليس المنهجية العلمية ولا المؤشرات المعتمدة بل لأن الأردن حقق المرتبة الأولى في التصنيف متفوقا في المجموع العام على تسع دول عربية أخرى. للسبب ذاته ، لم تحتفل القوى المعارضة للحكومة وتلك المشككة بجدوى الإصلاح بهذا التقرير ، ولم يحظ بموقع مناسب على بعض القنوات الفضائية العربية المتخصصة في الإساءة للأردن. المعيار الوحيد هو النتيجة وليس المنهجية.
لا أريد أن أفسد الحفلة ، فالتقرير مبني على عدة مؤشرات منطقية وعلمية محكمة وهو منصف في تقييمه للدول العربية وهو نتاج عمل 15 مؤسسة عربية من الصعب اتهامها بالعمالة للخارج وتلقي أكياس من الأموال (المعذرة ، لا داعي أصلا لهذه التهمة لأن النتيجة إيجابية) وهكذا يمكن لنا أن نحاول تقييم منهجية عمل التقرير والدخول في بعض تفاصيل النتائج براحة لا تكون متوفرة عند مناقشة تقرير صادرة عن جهات دولية أخرى تحمل مضمونا ناقدا للسياسات العامة.
منهجية التقرير فريدة ومبدعة في تحديد المؤشرات وتحاول التركيز على الواقع الفعلي وليس إعلانات النوايا التي تسود سياسات الإصلاح في العالم العربي. تعتمد الدراسة أربعين مؤشراً لقياس أربع قيم ومبادئ أساسية تتعلق بالعملية الديمقراطية وهي: وجود مؤسسات عامة قوية ومسؤولة ، واحترام الحقوق والحريات ، وسيادة القانون ، والمساواة والعدالة الاجتماعية. وتقيس هذه المؤشرات المختارة قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية يومية تعكس في مجملها مختلف جوانب عملية صنع القرار الديمقراطي.
ويتم جمع البيانات لمؤشر الديمقراطية العربية من ثلاثة مصادر مختلفة هي: الجانب القانوني والرأي العام وممارسات الأنظمة. وعليه فإن هذه المقاييس تستند إلى تقييم الأداء والسلوك عوضاً عن دراسة النوايا وهيكليات النظام ، انطلاقاً من أن النوايا قد تكون حسنة بينما يكون الأداء ضعيفاً وهذا هو بالضبط واقع الإصلاح في العالم العربي وفي الأردن أيضا.
وقد خلص التقرير إلى أن إحداث تغيير حقيقي يقتضي تحولاً في ثلاثة مجالات إستراتيجية وتمت تسميتها بطريقة مباشرة وبأوضح الكلمات منعا للالتباس وهي القوانين والعملية الانتخابية التي تجمع كافة قطاعات المجتمع وتقضي على ظاهرة التمييز وكذلك تطوير أنظمة ضريبية تستند إلى مبادئ فرض الضرائب التصاعدية والتوزيع العادل للثروات وفي النهاية تطوير نظام تعليمي على أسس أخلاقية واجتماعية متينة ، يستند إلى مبادئ التعددية.
قراءة التفاصيل في التقرير تقدم رسالة مهمة ينبغي لكافة سياسات الإصلاح في الأردن أن تراعيها لأنه وعلى الرغم من وجود الأردن في المقدمة فإن هنالك مؤشرات لا زالت ضعيفة في معايير النجاح وحققت صفرا في الدراسة.
الاحتفاء بالتقرير يجب ألا ينسينا ايضا مجموعة التوصيات التي يقترحها والخاصة بالأردن وأهمها تعديل قانون الانتخابات لمجلس النواب بحيث يكون القانون أكثر عدالة وتمثيلا ويعتمد على مراجعة كاملة لمبدأ الصوت الواحد ، وإلغاء المحاكم الخاصة والاستثنائية وتطوير التشريعات اللازمة لضمان الحقوق القانونية للمواطنين وإلغاء البنود التي يتضمنها قانون الاجتماعات العامة وتعديل قانون الجمعيات الخيرية بحيث يكون تسجيل الجمعيات بالإشهار وإلغاء شرط الحصول على موافقة مجلس الوزراء لتمويل المجتمع المدني واستبداله بمبدأ الإخطار فقط ، وهي توصيات في غاية الأهمية ومن الضروري التعامل معها بجدية تتجاوز الاحتفال الإعلامي بنتائج التقرير.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور