في غمرة انشغال الإعلام الأردني بمتابعة سجالات الهوية المبنية على طروحات استقطابية ، وفي غمرة غياب الجامعات عن التأثير على صناعة القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتعرضها لضغوط مالية واجتماعية وسياسية تساهم في تفكيكها وتراجع دورها التنويري ، وفي غمرة غياب القطاع الخاص عن التنمية وغياب المجتمع المدني عن البحث في أفضل السياسات المتاحة للأردن وفي غمرة انهيار الأحزاب ماليا ومعرفيا نجد أن هنالك غيابا تاما للحوار الوطني الصحيح حول كافة بنود الاصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي لأن الجدال الدائر ليس جدالا مبنيا على رؤى اقتصادية وسياسية وتنموية بقدر ما هو فرز بالهوية وهذا خطير جدا.

قبل اشهر صرح جلالة الملك بأن للطبقة الوسطى دورا أساسيا في الاصلاح السياسي ولكن هذه الطبقة لا تزال حتى الآن غير قادرة على امتلاك تصور أو موقف حول أهم القضايا التي يتم الجدل بشأنها في الأردن. مشكلة الطبقة الوسطى في الأردن أنها فشلت في تطوير مؤسسة سياسية أو قاعدة اجتماعية متينة لحماية مصالحها في مواجهة تيارين في منتهى القوة والنفوذ يتنافسان على القرار السياسي والاقتصادي في الأردن ويدعي كل منهما أنه يمثل الخيار الأفضل لمستقبل الأردن. ولكن الوقت لن يسعف الطبقة الوسطى ، ولا بد من تطوير آلية سياسية واجتماعية لضمان دور الطبقة الوسطى في القطاع العام أو الخاص في صياغة طبيعة الاصلاح المنشود في الأردن ، حتى لا يبقى التنافس بين فريقين يبحثان عن مكاسب سياسية ضيقة والخطوة الأولى في ذلك أن تمتنع الطبقة الوسطى تماما عن اتخاذ موقف مساند اما لطبقة المحافظين التقليديين أو طبقة الرأسماليين الجدد وأن لا نقع في فخ الخداع بالمصطلحات التي يتم تبادلها في الساحة السياسية الأردنية وأن يتم تطوير خطاب اصلاحي حقيقي ينبع من احتياجات الطبقة الوسطى من الأردنيين من مختلف الأصول والتوجهات ولا يقع أسيرا للاستقطاب المزيف الحاصل حاليا الذي يسيطر على الرأي العام.

هذا الاستقطاب يأخذ صورا غير منطقية ، ولكنه في الحقيقة يبقى تنافسا على الدور السياسي - الاقتصادي لطبقتين محددتين ، ولكن هذا التنافس لا يأخذ بعين الاعتبار دور الطبقة الوسطى ولا الفقيرة ، فهي ليست الا مخزونا من الجهد الذهني والعضلي لدى الرأسماليين من الاصلاحيين وأصحاب النفوذ التقليدي من المحافظين وقد جاء الوقت لاستقلال الطبقة الوسطى عن هذا الاستقطاب ولعب دور ايجابي في مسيرة اصلاح مستندة الى العدالة الاجتماعية وقيم المواطنة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور