أوجد خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني الأسبوع الماضي ، والذي عالج المستجدات السياسية المحلية راحة كبيرة في الرأي العام الأردني الذي كان يشعر بحالة من التوتر جراء موجة التصريحات والمقالات والبيانات التي انتشرت في الفترة الأخيرة ، ومست البعض من ثوابت الدولة الأردنية على المستوى السياسي إضافة إلى القلق من تداعيات حالات العنف الاجتماعي المتزايدة.

الراحة التي شعر بها الرأي العام الأردني مردها أن جلالة الملك أعاد في خطابه التأكيد على ثوابت الدولة ، وأنه لن يكون هنالك تراخْ أو تجاهل أو حتى غياب لإدراك المستجدات الأخيرة ، فهي كلها موجودة ضمن رادار صاحب القرار الأردني ولكن التدخل المطلوب هو تعزيز ثقة المواطن بالدولة بطريقة سياسية منهجية ومنظمة ، وهذا ما يجعل جلالته على قرب مسافة واحدة من كافة المؤمنين بمبادئ الدولة الأردنية.

يمكن القول بأن خطاب جلالة الملك استند إلى ستة توجهات إستراتيجية وهي:

  1. - لا قبول أردنيا لأي دور في الضفة الغربية ولا مجال لتقبل اي حل للقضية الفلسطينية على حساب الأردن مهما كانت الضغوطات.
  2. - الأردن لن يتخلى عن دوره التاريخي السياسي والإنساني تجاه الشعب الفلسطيني ، حتى ضمن سياق الإصرار على عدم القبول بدور سياسي وأمني.
  3. - الوحدة الوطنية مقدسة وهي ركيزة الاستقرار ولا تسامح مع العبث بها ، ولا تغيير في ثوابت الدولة الأردنية تجاه ذلك.
  4. - المعيار الحقيقي للمواطنة والانتماء ، هو بمقدار ما يعطي الإنسان لهذا الوطن ، وليس بمقدار ما يأخذ ، أو أية اعتبارات أخرى.
  5. - الدولة الأردنية قوية وثابتة والقانون فوق الجميع ولكن السلم الاجتماعي مسؤولية جماعية لمكونات المجتمع الأردني وهي خط الحماية الأول قبل إضطرار الدولة للتدخل بأجهزتها الرسمية.
  6. - العشائرية ركيزة اساسية في بناء المجتمع وهي سند ورديف لأجهزة الدولة في القيام بدور الحفاظ على الأمن والاستقرار وهذه هي صورتها ودورها الحقيقي.

مثل هذه الأسس والتوجهات الإستراتيجية هي القيم التي نشأت عليها الدولة الأردنية ويجب أن تحافظ عليها من أجل تحقيق التنمية والاستقرار ولا مجال للسماح بالإخلال بهذه القواعد أو تغييرها مهما كانت الضغوطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية القائمة والمتوقعة.

مثل هذا الجهد لا يحتاج فقط إلى دعم لفظي ونظري من قبل صناع الرأي العام والنخب السياسية والاقتصادية في الأردن بل إلى عمل مؤسسي لتصبح هذه التوجهات الإستراتيجية مكونا ثابتا في صناعة القرار وفي كافة التصرفات والسلوكيات اليومية ، وبدون ذلك نكون قد فشلنا في الارتقاء إلى طموحات وآمال الخطاب الملكي.

من الصعب المطالبة بوجود مؤسسة مختصة بدعم الخطاب الملكي لأنه من غير المحبذ قيام مؤسسة مثل حزب أو تيار أو مركز أو منتدى بادعاء تمثيله لخطاب الملك وحده ، لأن الملك هو رأس الدولة ومن المهم أن يبقى حرا من التجاذبات والاستقطابات. ولكن هذا يعني أيضا الحاجة إلى خلية تفكير إستراتيجية مستقلة تتعامل مع المستجدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتقديم التوصيات لجلالة الملك وجعلها أيضا مفتوحة للرأي العام في بعض الحالات من أجل تقديم البدائل التفصيلية المتاحة لمواجهة التحديات القائمة بدلا من الاكتفاء بالشعارات وخاصة في هذه المرحلة الحساسة.

ليس من قبيل المبالغة القول بأن الأردن يحتاج الآن إلى هيئة تجمع خبرات مختلفة من العمل العام والخاص وتمتلك توجهات متباينة ولكن تجمعها صفات النزاهة والصدق والانتماء الحقيقي لثوابت الدولة وعدم البحث عن مكتسبات سريعة قادرة على تقديم البدائل الإستراتيجية للتحديات السياسية الصعبة التي تواجه الأردن.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور