في تلك الظهيرة، القائظة المُضجرة، تركتُ البيت، حيثُ تتمدَّد زوجتي، تجنَّبتُ المقهى، حيثُ يتسلَّى رفاقي بالورق، وخاصمت كلَّ دوحة تبترد في ظلها العصافير والطيور. أخذت امشي في شوارع مدينتي التي لا تحتمل. كنتُ امشي وحدي في الشوارع المُقفرة، ومن بعيد لمحتهم، فغذذْتُ خُطاي خلفهم. كانوا ثُـلة  من الناس يحملون نعشاً يمشون برتابة متوحشة، رؤوسهم منكسرة، عيونهم ممحوَّة الامارات كأنَّهم موتى. بل رأيتُهم موتى. فجأةً انفتح التابوت من الخلف وسقطت الجثة أرضاً؛ نهض الميت واقفاً على قدميه، وهو يصيح، "رأسي! رأسي! اوجعتوا لي رأسي!" لاحظتُ وعيناي جاحظتان انَّ كفنه تمزَّق عند كاحليه وعند الكتف، فبدا حاجاً في زي الاحرام.
     لم يأبه أحد به. بدؤوا يهرولون والتابوت على اكتافهم. بقي الميت يهرول وراءهم وهو يتبعهم، حتى قطعوا نفسه. بقيتُ اهرول وراء الميت حتى نشَّف ريقي. ثم وقف الميت على حين غرة، فارتطمتُ به. وقع أرضاً ووقعتُ فوقه. نظر نحوي واسناني تصطك، وسألني، "شوب فظيع.. معك سجائر؟" وحين رأى علبة سجائري المحلية "الأمبريال"، قال مثل الردَّاحة، "امبريال؟! يقطعها من عيشة! لماذا لا تدخن مارلبورو يا كلب؟!" ثم نهض وتابع ركضه وراء الجنازة، وأنا تابعتُ ركضي وراءه، وسمعتُه يقول، "تعالوا خذوني.. خذوني! أنا الميت. أنا الميت. احملوني. ضعوني في النعش."
     اذكر انني بقيتُ اتبع الميت الذي يتبع جنازته حتى وصل الناس إلى المقبرة، وفتحوا التابوت، وافرغوا الفراغ الذي بداخل التابوت في حفرة كانت قبراً للميت الذي لم يُدفَن.
 سألهم الميت وهو يعاتبهم، "لماذا لم تدفنوني في القبر؟"
 قالوا، "هذا ما حدث." فزعق فيهم، "لكنني ميت!"
-" هذا ما حدث."
-" لم تدفنوني!"
-" هذا ما حدث،" قالوا واهالوا التراب على القبر، رشُّوا عليه الماء، وقرؤوا الفاتحة على الميت. وقرأ الميت الفاتحة على روحه. وقرأتُ الفاتحة على روحه. وهمَّ الناس بالعودة إلى المدينة، وحملوا التابوت الفارغ. وحين سمعوا الميت يؤبِّن شبابه ويُعدِّد على روحه الطاهرة ويشقُّ بقايا كفنه كمداً وحزناً، رقَّت قلوبهم له. قال لهم، "ألا احد منكم يسفح على روحي دمعة واحدة؟ يا عيب الشؤم عليكم!"
-" هذا ما حدث!" قالوا له وكادوا يمرُّون من امامه عائدين إلى المدينة. فرفع ابهامه، وهو يهزُّ رأسه: "انا مُتعبٌ جداً. ركضتُ وراءكم طوال المشوار. أتأخذونني طريمب* إلى المدينة؟"
 قالوا، "ولو!" ورأيته يركب التابوت وهو على اكتاف الناس. قلتُ لهم، "لماذا لا تأخذونني طريمب أنا الآخر؟" فقال الميت، "ما دُمْتَ تدخن، فلماذا لا تدخن مارلبورو ايها الكلب!" وعادت الجنازة إلى المدينة تزفُّ الميت والرجال يهرولون، واذكر انني بقيت اهرول وراءهم مُعفَّراً برائحة الموت.
2 نيسان 1996
*طريمب: ( ويقال له اوتوستوب، ايضاً) أي أن يركب المرء وسيلة نقل دون مقابل.
 
 

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب