يبدو المشهد السياسي القادم في الأردن كما في مصر وتونس وغيرهما؛ قوة رئيسية من الإخوان المسلمين سوف تتحالف مع قوة/ قوى سياسية أخرى، وهم في الأردن، القوميون واليساريون على اختلافهم وتعدديتهم، والإسلاميون من غير الإخوان المسلمين، والليبراليون. وأقصد هنا في هذه المقالة بالليبراليين الشخصيات والقوى السياسية والاجتماعية في البلد ممن لا يشملهم الوصف الأيديولوجي السابق (إسلاميون أو قوميون أو يساريون)، وهم على نحو واقعي الشخصيات والطبقات ممن شاركوا في الحياة السياسية والاجتماعية التقليدية في الأردن حكما أو معارضة. وهو بالطبع ليس وصفا دقيقا أو محددا، ولكن أحدا لا يستطيع أن يخبرنا من هم الليبراليون أو المحافظون في الأردن، ولكن يمكن تصنيفهم بالإجمال بأنهم يؤمنون اقتصاديا برأسمالية السوق المنضبطة بدور الدولة (النموذج الأوبامي السائد اليوم في الولايات المتحدة)، وإن كان بعضهم من الليبراليين/ المحافظين الجدد المؤمنين بسيادة السوق، فقد انتهت هذه الموجة كما نعلم بعد الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، ولا يتوقع عودتهم لخمسين سنة قادمة على الأقل.
التحالف مع القوميين واليساريين يعطي الإسلاميين بريقا سياسيا، ويظهرهم جبهة سياسية ممانعة تمنح قطاعا واسعا من المجتمع شعورا بالرضا مع ممارسة الواقعية السياسية على الأرض. ولكن يمكن أن تجد الحركة الإسلامية فرصة لشراكة مع تيارات وشخصيات يسارية مؤمنة بالعدالة الاجتماعية. ولعلها تحيّد البرامج والمواقف الخارجية الرومانسية التي يعلم الرفاق قبل غيرهم أنها لم تعد تصلح سوى لإرضاء فئات من الناس والمجتمعات. ومن ناحية الخبرات والتجارب، فلن يضيف القوميون واليساريون جديدا إلى الإسلاميين لتشابه الخبرات ومجالات العمل، وسيبقى ثمة فراغ برامجي واجتماعي لن يغطيه التحالف.
والتحالف مع الإسلاميين المستقلين سيدفع الحركة الإسلامية إلى التطرف الاجتماعي، ويعزلهم عن قطاع سياسي واجتماعي واسع ومؤثر، ولن يكون إضافة برامجية أو إصلاحية أو تنموية. الإنجاز الوحيد المتوقع هو سياسات وأنظمة اجتماعية متشددة في اللباس والطعام والإعلام وقضايا المرأة، ولكن ذلك سيمنح التحالف تأييدا اجتماعيا وشعبيا كبيرا ومأساويا أيضا.
ولكن التحالف مع الليبراليين (بالمفهوم الأردني الفريد من نوعه) سيمنح الحركة الإسلامية شراكة معقولة. فالإسلاميون في تجربتهم وتشكيلتهم الاجتماعية أكفاء وثقات في إدارة الوزارات والمؤسسات الخدمية؛ التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والإدارة العامة، والليبراليون سيديرون البرنامج الاقتصادي على أساس من رأسمالية الدولة، وهو التنظيم الاقتصادي المتبع اليوم عالميا، ولا يتعارض مع توجهات المجتمع والناس، ويقبل به أيضا قطاع واسع من الاشتراكيين. وسيطور الإسلاميون بذلك تحالفهم الاجتماعي، وينشئون حالة من التسامح والحريات الاجتماعية والشخصية. وبالطبع، فسوف يظهرون في حالة من التراجع والتخلي عن ثوابت سياسية ودينية واجتماعية، ولكنهم في المحصلة سيبقون على النظام الاجتماعي السائد، ولن يدفعوا البلد إلى حالة متشددة أو أكثر انفتاحا اجتماعيا. وعلى أي حال، فليس ثمة خيار يخلو من الخسائر والمكاسب!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد