- ما قبل الرؤية
غريب هو في هذا المكان. لماذا هو هناك؟ كل شيء غامض وضبابي. لا يرى. ام أنه لا يعي؟ الشعور بالغربة طاغٍ وشديد الوطأة. يشعر الغريب بدوار شديد، بالحاجة الى التقيُّؤ، الى التنفس، الى الرؤية، رؤية أي شيء ما عدا الظلام.
يشتدُّ الصُداع. يتصاعد الخوف من المجهول، الخوف مما قبل الرؤية. فجأةً يحسُّ بشعور كأنَّه تشكَّل لتوه: تعتريه رغبة بالغة القوة ليعرف من يكون، ما يكون. عندئذٍ ينفتح امامه شقٌّ طولي من الظلام، تخرج منه اسرارٌ دافئة من النسيان، وتتسلَّل عبرَه اشعةٌ ضبابية ضعيفة الى عينيه الضريرتين. ثمة اشباح مشوهة الوجوه والاجسام تتكلَّف الابتسامات والقرقرات والتهاني.
-" دعوني! دعوني!" يصرخ بصوت عال، لكن الاشباح تستمرُّ في الضحك كأنَّها لا تسمعه. "لا اُريد ان ادخل الغرفة المظلمة الكبرى! لا تدفعوني اليها!" يعلو اللغط. يتصاعد أزيز الدوار. يشعر بالغثيان. يغشاهالوجل. يشعر بالوحدة. يبكي، يبكي. يدوخ كأنَّه في بحر لا تتوقف امواجه عن التلاطم والهيجان.
-" دعوني!" لكن أحداً لا يأبه به.
يشعر بالوحدة في ذلك المكان المظلم الموحش. تتسلَّل الرطوبة الى لحمه وعظمه. يَسكُن في مكانه. يسكت. وطأة وحدته شديدة. الظلام والبرودة موحشان. يضمُّ رجليه الى صدره؛ يهمهم مواسياً نفسه ليبعث فيها بعضاً من الطمأنينة.
-" إنه يقاوم!" يُطرشُه صوتُ جسم مشوه، "إنه لا يريد العلاج الذي ستعطيه له حياته! "
-" كأنَّه لا يريد الحياة! كأنَّه لا يريد حياته!" قال صوت آخر.
-" يا ساكن رحمي، لا تخف.. سنلتقي حتماً ونلعب في "الفردوس،" فلا تقاوم!" يأتيه صوت آخر يشوبه القلق. وتطمئنه اصوات اخرى: "لا تخف!" .. "سوف نلتقي حتماً ذات مرة، حينما تشفى! "
-" لستُ مشوهاً مثلكم. انا كامل! أتسمعون؟ انا كامل!" يصرخ فيهم وهو يتخبَّط ويضرب جدران الظلمة بيديه وقدميه الخائرتين. ورغم ان صوته غارق في العتمة والرطوبة، فإِن حركاته المتخبطة محسوسة.
-" إنه لا يريد الحياة!" يأتيه صوت جسم مشوه. "لن يكون قادراً على أن يحيا! "
-" اتركوني، لستُ مريضاً! لا اريد ان اصبح مشوهاً مثلكم! اتركوني!" يبكي. الصُداع يشتدُّ أزيزه.
فجأةً يأتيه صوت أنثوي رقيق وهادىء، "لن يسمعوك! وإذا سمعوك فلن يفهموك!" الصوت الأنثوي قريب منه جداً. يبدو له أن الصوت عند أذنه او أنه جزء منه. حالما يسمعه تخور كلُّ قواه كأنَّ الطمأنينة سرتْ فيه او الخوف شلَّه كلياً.
-" لماذا يريدون أن ادخل الى ما بعد الشقِّ؟" يسأل الغريبُ الصوتَ الأنثوي الرقيق بصوت خفيض يشوبه الحذر.
-" ستدخل غرفة الرؤى، وتحيا الحياة، حياتك، وتشفى من مرضك. "
-" اين نحن؟ "
-" في مرحلة ما قبل الرؤية.. أترى شيئاً؟ "
-" كلا.. "
-" أترى؟ أنتَ ضرير. لهذا تحتاج الى علاجي!" يقول الصوت الأنثوي بهدوء.
يمضي صمت طويل. ثم يحسُّ بأن قلبه يخفق بشدة إذ يُراوده ذلك الشعور الملحاح بضرورة معرفة من يكون، ما يكون.
-" من أكون؟ ما اكون؟" يسأل الغريبُ الصوتَ الأنثوي بصوت مرتعش.
-" أنتَ ميت ينتظر مولده! "
تتيه الأسئلة في ذهنه، يصمت. لم يَعُد يدري عما يسأل، ولم يَعُد يتذكر عما يتوجب عليه أن يسأل. وأخيراً يطفو سؤال الى ذاكرته، "وأين انا الآن؟ "
-" فيما قبل الرؤية، في موطن الاسرار، وهو المكان الذي سيُوصِلك - إذا كنتَ محظوظاً - الى ارقى موطن لتحقيق الوجود." يأتيه الصوت الأنثوي بعد سكون جليل.
دون توقُّع، ينفتح الشقُّ الطولي للحظة واحدة، ويحسُّ الغريب بأنه سيقع على رأسه، وأنه مُنجذبٌ الى مكان منخفض. يتشبَّث بجدار العتمة تشبثاً قوياً. ثم يصبح سَلامياً للقوة التي تجذبه نحو الاسفل، رغم خوفه من سقوطه على رأسه.
-" أي موطن هذا؟ "
-" الحياة، حياتك! "
-" ومن تكونين أنتِ؟ "
-" انا حياة، انا العرَّافة! أنَسَيتني مرة اُخرى؟ "
ماذا يقصد الصوت الأنثوي؟ ولِمَن الصوت؟ أي موطن لتحقيق الوجود هذا؟ وأي وجود؟ تخيفه الكلمات الغامضة، رغم أنها تُلفَظ برقة وخفوت. يحسُّ بأنه مهدَّد. دونما أي سبب يشرع ينتحب نحيباً هادئاً سرعان ما يتحول الى بكاء هادر. كان لظلمة المكان الضيق أثرٌ كبير في احساسه بالفزع.
-" أريد ان أخرج!!!" يصيح ويدفع الظلام بيديه الضعيفتين. ينشج. يقفز على قدميه. يرتطم رأسه بسقف الغرفة. ثم يحسُّ بهزَّات زلزال وشيك. تتصدَّع جدران الظلام. يحسُّ كأنَّه انقلب رأساً على عقب، ويشعر أنه على وشك السقوط على رأسه. "أريد أن أخرج! أريد الخرووووووج! "
-" عليك أن تعلم أنك لن تعود الى هنا بسهولة،" يأتيه الصوت الأنثوي هادئاً كعادته.
-" أريد الخرووووج!" يصرخ فزعاً، ثم يحسُّ بأنه يسقط، يسقط، يسقط في المجهول، ورأسه متجهة نحو الاسفل. لكنه في نهاية سقوطه، يسكن جسده. لا يزال الظلام احلك مما قبل. الرؤية، الآن، منعدمة. دوار. غثيان. يسعل، يتقيأ، يبكي، يبكي، يبكي. والدوار يُعَمِّر ردحاً طويلاً.
2- الرؤية الاولى
-" لقد دخل الى الغرفة المظلمة الكبرى،" يرنُّ صوت جسم مشوه.
بلحظة واحدة يفقد الغريبُ الدفءَ الذي كان يُحيط به، والذي كان يجده بارداً. تقتحم الاصوات النشاز كيانه الذي أخذ ينكمش. يشعر بخوف كبير. لا يسعه إلا ان يبكي. فيبكي طويلاً. لا يرى شيئاً. أما الغرفة المظلمة الكبرى فتُشبه الغرفة التي غادرها من ناحية الحلوكة والغموض والجهل والخوف والبرد. لا يعرف كم مضى عليه من الزمن وهو في ظلام مُصْـمَتٍ.
-" ستراني بعد قليل،" يأتيه الصوت الأنثوي، "ستغشاك الرؤية الاولى! "
يحسُّ برهبة شديدة، يحسُّ ببرودة شديدة تُخدِّر كلَّ خلية في جسده وتُنيمه في حلم غريب. "أريد أن اعود!" يصيح بعنفٍ شديد. "أريد أن اعود حيثُ كنتُ. "
-" اسرعوا، قد يموت!" يأتي صوت جسم مشوه.
-" يجب ألا يموت، حياته في انتظاره!" يأتي صوت مشوه آخر.
-" لا، لن يموت. إِنها مجرد غيبوبة أخرى تُصيبه!" يقول مشوه آخر.
-" أريد أن اعووووود! "
-" قلتُ لك ليس من السهل أن تعود الى الغرفة المظلمة الصُغرى إذا عبرتَ الى ما بعد الشقِّ الطولي!" يأتيه الصوت الأنثوي هادئاً كعهده به، لكنه حازم، "أنتَ لم تشفَ بعد! "
-" هل انا مريض؟" يسأل الصوتَ الأنثوي بخوف.
-" طبعاً! لا يأتي الى هذه الغرفة المظلمة الكُبرى إِلا مَن فيهم مرض،" تقول حياة، العرَّافة، "ولن تخرج من هنا إلا مُعافى، ومُصفَّى من الارواح الشريرة. "
-" لكنني كامل! "
-" كنتَ كاملاً،" يأتيه الصوت الأنثوي، "ليس من أحد كامل هنا سواي! انا وحدي مَن يستطيع أن يجعلك كاملاً، إذا قبلتَ علاجي برضى وولاء! "
يحسُّ بشيء من الاطمئنان، لكنه لا يقول شيئاً.
-" ماذا تقول؟" يسأله الصوت الأنثوي الرقيق، "إِنني الوحيدة التي يمكن أن تشفيك، وأن تُعيدك الى "الفردوس." "
-" وما "الفردوس"؟ "
-" بلدتك التي نشأتَ فيها.. "
-" أصحيح أنني "ميت ينتظر مولده؟" "
-" لكنك لم تَعُد تنتظر مولدك. إنَّكَ الآن ميتٌ صحا من غيبوبته." تقول العرَّافة بصوتها الناعم. يشعر بأن الصوت الأنثوي لفَّه بشبكة متاهية من الكلمات. يحسُّ بصداع شديد. يحسُّ بأن ذاته الضبابية تحترق بخوراً داخل جدران العتمة الكبرى. أيَّةُ غيبوبة، وأيُّ ظلام؟ أينما يكُن، يوجد ظلام.. ظلام. ظلام. ظلام. يبكي طويلاً.
-" لا تخف! ثِـقْ بي! انا حياتك، أنَسيتَ؟ لا بُدَّ أنَّك نسيتَ من انا؟" يأتيه الصوت الأنثوي رقيقاً هادئاً.
-" مَن أنتِ؟ "
-" انا حياة، مَـنْ ستُعيدك الى حيثُ كنتَ.. ستعود بعد أن اُعلِّمك كيف تستعمل الفانوس السحري، فانوسك! "
-" أي فانوس؟ ومن اين آتي به؟ "
-" إنه جزء منك، من جسدك وكيانك. أما الفانوس فمملوءٌ بالاحلام والاشباح والقوى الهائلة، التي يمكنك أن تستهلكها فيَّ انا، "حياتك!!" "
-" أيتها العرَّافة،" يناديها، " يا حياة... "
-" اُدعُـني بـ "حياتي!" "
-" يا "حياتي!" "
-" بُشرى! بُشرى! إنه يُريد الحياة! إنه يريد حياته!".. "سيعيش!".. "سيحيا!".. "ابقَ في الغرفة المظلمة الكبرى. ستشفى من مرضك!".. "لا تخف، نحن في انتظارك!" هتف مشوهون كثيرون.
-" يا حياتي!" يناديها مرة اُخرى، ويُجيبه الصوت الأنثوي الرقيق بـ "نعم" رقيقة ناعمة. "أصحيح أنني سأحيا واشفى إذا بقيتُ في الغرفة المظلمة الكبرى، هذه؟ "
-" نعم، ستحيا. أنتَ محظوظ! قلَّةٌ هم الذين يصحون من الغيبوبة التي تعيش فيها معظمُ الاشياء الميتة. أنتَ كنتَ منهم. كنتَ ميتاً. كنتَ غائباً عن الوعي والوجود في غيبوبة طويلة، ثم صحوتَ! أنتَ نجحتَ في الوصول الى الغرفة المظلمة الكبرى.. "
-" وما هي هذه الغرفة المظلمة الكبرى؟" يسأل والحيرة والفضول والخوف تملؤه.
-" إنها اعلى وارقى موطن لتحقيق الوجود. إنها الحياة! أما زلتَ لا تذكر ما قلتُه لك؟ "
-" لا أذكر شيئاً! لا اعرف شيئاً! لا أرى شيـ .. "
فجأةً، الرؤية الاولى! تزول امامه عن الوجود بقعتان صغيرتان من الظلام. يُمعن النظر. إنهما عيناها، عينا العرَّافة. يحدق فيهما وفي جمالهما. تبقى الرؤية الاولى اجمل رؤية واحلاها! أن يرى لأول مرة تلكما العينين السوداوين هو شيءٌ لا يمكنه أن ينساه. أن يرى لأول مرة شيئاً يبعث فيه الفضول والمزيد المزيد من الاسئلة!! يظلُّ متحجراً وساكناً امام ما تشعُّه العينان الباسمتان من حيرة وتساؤل، ومن انشداه وافتتان. يظلُّ اخرس.
من خلال العينين الساحرتين اللتين يراهما بين حين وآخر، يرى كثيراً من الاحلام والرؤى، ويرى الجمال، ويرى - فيما يعتقد أنه - اللانهائي والمطلق. تُصبح "حياته" المطلق واللانهائي والأبد، والآلهة. تصبح كلَّ شيء.
-" يا "حياتي!"، " يدعوها ذات مرة، "إنني لا أراكِ! "
-" ستراني في حينه! "
-" أأنتِ جميلة؟ "
-" عندما تراني، سأترك لك الحكم! "
-" كيف سأقيِّم الشيء، إذا كان جميلاً ام غيرَ جميل؟ "
-" سأعلِّمك! "
عبر الظلمات التي تُغلفها، تُعلِّمه. تعلِّمه مَن هي، ومَن هو. كثيراً ما يشعر أنه بليد، خاصة حين يصحو من غيبوبته التي تُطيح بوعيه وتُنيمه نوماً عميقاً طويلاً. يعميه الظلام، فيبكي كثيراً، ويخبط الظلام باطرافه من اجل حريته. كثيراً ما تبدو حياته يقيناً سرابياً وحلماً غارقاً في ظلمات اللاوجود. يعميه الشك والخوف. يشعر أنه جاهل ونهم للمعرفة، لمعرفة عالمه الذي يعيش فيه، لمعرفة ما بعد الظلمات التي تحيط به، لمعرفة ما يكون، من يكون. ثم لا يجد مفراً - وهو في عماه في الغرفة المظلمة الكبرى - مِن أن يؤمن بالعرافة حياة، "حياته"، ويؤمن بما تعلمه ايماناً لا يقبل الشك.
-" يا "حياتي!" " يناديها ذات مرة، بعد ان افاق من غيبوبته، "ما الجمال؟ "
-" "الجمال"،" تقول حياة بنبرة تدلُّ على سعادة كبيرة، رُبما لأنه يسألها، "الجمال شكل لحظي يُشعرنا بالدفء والكمال والحياة. إِنَّه الشكل الأرقى للحياة. "
رغم أن حياته تبدو يقيناً سرابياً، فإِنَّ وجود "حياته" العرَّافة الغامضة مطلقٌ. بل أنَّ وجوده يصبح ظلاً لـ "حياته" التي يسمع صوتها الدافىء ولا يرى إلا عينيها. يقترن وجوده بوجود صوت العرَّافة التي لا يراها. احياناً عندما لا يصله صوتُها او لا تومض عيناها بذلك الدفء الأنثوي، يُخالجه ثمة شعور بأنه كاللاشيء، كالفراغ، تائه في الفضاء، او نائم في سبات طويل، يجترُّ ما تعلَّمه من العرَّافة او يبحث عن الذاكرة التي اضاعها في مكان وزمان لا يتذكرهما. في احيانٍ أخرى يفيق من نومه الثقيل او من غيبوبته، فلا يجد إلا الظلام والاحلام، الاحلام التي لا ترفرف من عينيه او من ذاكرته بل من عيني "حياته" اللتين يراهما احياناً.
3- الحلم الأول
-" يا "حياتي!" " يناديها الغريبُ. "لقد رأيتُ حلماً! "
-" رأيتَ؟ ماذا حلمتَ؟" يسأله الصوت الأنثوي الرقيق باهتمام.
-" حلمتُ حلماً طويلاً. أحسستُ بذاتي وهي مجسَّدة في جسم، وأحسستُ بأنني امشي بين مجموعة من الناس، وكلهم مشوهون.
سألتُهم: "أين نذهب؟ "
قالوا، "الى مقام العرَّافة. "
قلتُ، "أية عرافة؟ "
قالوا، "إنَّ اسمها حياة، أتذكر هذا الاسم؟"..." يصمت قليلاً ليأخذ نفساً من شدة الاثارة التي تغمره. وحينما تفتح العرَّافة عينيها الجميلتين ويراهما، يُتابع كلامه: "فسألتُ احدهم: "لماذا نذهب اليها؟ "
فقال، "أنتَ سقطتَ على رأسك. وأصابك مرضٌ. "
وقال آخر، " بل اصابكَ مسٌّ من الشيطان. لولاه لما اقترفت الخطيئة وسقطتَ على رأسك، وما ذهبنا بك الى العرَّافة. "
وقال ثالث: "المهم أنك مريض بداءٍ يُصيبك بغيبوبة طويلة. "
وقال رابع: "المهم أن العرَّافة، واسمها".. " ثم يسكت للحظات ويلقي نظرة نحو العينين الواثقتين امامه، "اسمها حياة، وهي الوحيدة التي يمكنها أن تستأصل مرضك وتشفيك!".. ثم.. ثم.. "
-" ثم ماذا؟" يساله الصوت الأنثوي برقة ودفء.
-" سألتُ.. سألـ .. تُ.. مَن.. تكو .. تكون .. العرَّافة.. حياة.. "
-" ماذا قالوا؟ "
-" قالوا: "ستعرف بعد قليل. " لكنني الحَحْتُ. فقال احدهم: "لا احد يعرف مَن تكون او مِن اين أتت. "
وقال آخر: "من المرجح أن موطنها قرب الشمس! "
وقال ثالث: "إن لديها قدرة خارقة على التشكُّل الجسماني، فيراها الناس احياناً عجوزاً شمطاء، واحياناً حوراء من الحور العين! "
وقال رابع: "بل أن أحداً لا يراها لأنها فوق طاقة الرؤية، ولأنها تبقى دوماً في الظلام، تُوحي لمرضاها بما يفعلون دون أن يراها أحدٌ منهم.." اختلطت اصواتهم في أذني، ولم اعُد استطيع أن اُحدِّد - في خضم المعلومات الهائلة عنها - مَن تكون حياة سوى أنها عرافة..." ثم يسكت فجأةً ليرتاح ويلتقط انفاسه.
-" ماذا أيضاً؟" يسأله الصوت الأنثوي.
-" مضيتُ في ذلك الجسم وانا بين الناس، وتوجهنا الى مقام العرَّافة. كان المقام بعيداً جداً. وكان المكان الذي سرنا فيه جميلاً وخلاباً، لم أرَ مثيلاً له من قبل.. اشجار، تلال، وعشب اخضر، وجداول، وطيور، وموسيقى حلوة تعزفها كل الكائنات. يا له من مكان جميل! تمنيتُ لو بقيتُ فيها. سألتُ احدهم، "ما هذه البلدة؟ "
قال: "أنَسِيتَ اسم بلدتك أيضاً؟ إنها الفردوس! "
وقال آخر: "لم تعُد الفردوس تصلح سكناً لك لأنك مريض! لا تقلق، ستعود الى الفردوس حين تشفى من مرضك! "
-" لن يشفيك أحدٌ إلا حياة، العرَّافة!" قال ثالث.
ثم وصلنا الى المقام. كان بناءً قديماً مُتَصدعاً في سهل تملؤه الحشائش الناشفة الميتة. هناك وقف الجميع، وانا بينهم. أخذنا نتأمَّل المقام. وقرأتُ ما كُتِبَ على باب المقام :
"الرحمُ والظـلام في قلب الدُّنى بيتٌ من الاحلام سوف ينضـبُ "
"والليل موجـود لكي نرنو خلا لـه الـرؤى التي بنـا لا تَرسـبُ "
"والأرض كـلُّـها دُجـى ودربُنـا فيـها ضريـر والنـوى مُـضَبَّـبُ "
"غـيـبوبـةٌ هـيَ الـحـيـاة كـلُّـهـا ايـامُـنـا فـيـهـا رؤى تَـحْـتَـجِــبُ "
"أمـا حـياتي فهـي اجـزاء لـلـو حــةٍ مِـن الـزُّجــاج لا تُـسكَّـــبُ "
"تُـغـنِـي الـحـيـاة الأبديِّـة الـتي اشكالهـا ليـس لـهـا أن تُـحـسَـبُ "
"عندما انهيتُ قراءة الابيات الغريبة لاحظتُ أن جميع الاجسام المشوهة الذين كنتُ بينهم ومعهم يتأمَّلونني على نحو اشعرني بالوجل والتوتر. فجأة احاط بي جميعهم، قبضوا علي، والبسوني رداءً ابيض، صرخوا ورتَّلوا وهلَّلوا وضحكوا وبكوا. رأيتُ الرعب على وجوههم؛ توقعتُ أمراً جللاً يوشك ان يحدث. ثم أخذوا يدفعونني الى المقام، فقاومتهم بجسمي المتخشب، ورفضتُ ان ادخل، لكنهم ادخلوني بالقوة واغلقوا الباب ورائي.
"كانت الغرفة التي ادخلوني اليها صغيرة جداً، تكاد لا تسعني. لكن شقاً طولياً انفتح امامي، وشعرتُ انني اسقط، اسقط، اسقط في غرفة مظلمة كبيرة. مضى بعض الوقت، ثم رأيتُ وجه العرَّافة. كان وجهها جميلاً جداً. فُتِنْتُ بها، ونسيتُ نفسي. وكأنني صحوتُ من غفوة طويلة، سمعتُها تسألني: "مَن، في اعتقادك، انا؟ "
قلتُ لها: "أنتِ حياة، العرَّافة. "
فسألتني: "فمَن أنتَ؟ "
قلتُ: "لا أدري.. لا اذكر! "
"فنظرتُ اليَّ مليَّاً وابتسمت، "لا تخف! مِنَ المتوقَّع منك ألا تتذكَّر أحياناً! "
سألتُها وانا خائف: "لماذا؟ "
قالت: "لأنك مريض.. تعتريك غيبوبة لم يعرف الأطباء سببها حتى أنك احياناً تبقى غائباً عن الوعي مدة طويلة. أنتَ لا تدري مَن تكون، فتذكر ذلك! وعلى فكرة، لا تنسَ أن احد اعراض مرضك الغامض هو فقدان الذاكرة. "
-" إذن، فمن انا؟ من اكون؟ ما أصلي؟" سألتُها وانا نهم للمعرفة.
-" أنتَ مجهول الأصل. لا احد يعرف مَن أنتَ. وجدوك في احدى البراري يوماً ما، وكنتَ توشك أن تلفظ روحك وحياتك. وحين احتضنتك البلدة ومَن فيها واتخذوك ابناً من ابنائها، دبَّت فيك الحياة. احبوك رغم أن آراءهم في أصلك تباينت. قال بعضهم أنك ابن حرام ومجبول بالشر والخطيئة. وقال آخرون إنك ابن الطبيعة، وقال آخرون أنَّ فيك روحاً إلهية. المهم أنهم احبُّوك وربُّوك حتى ظهرت اعراض مرضك، وحار الأطباء، فأتوا بك اليَّ لأشفيك. "
فسألتها: "ما مرضي؟ "
فصمتت قليلاً، ثم قالت: "مرضك مرض خبيث شيطاني. إِنَّ فانوسك مليءٌ بالاحلام والاشباح والمردة. ما الغيبوبة وفقدان الذاكرة إلا عرضان من اعراض مرضك. ولا تعتريك هذه الاعراض إلا بسبب الصراع الحاد بين المردة والاحلام والارواح الشريرة التي توجد فيك، في فانوسك، فيفقدك ذاكرتَك حيناً، وصحوك حيناً آخر. وإذا أردتَ أن تشفى فما عليك إلا أن تُطلِقَ هذه الاحلام والمردة والاشباح الشريرة. هذا ما سافعله انا، فهل تثق بي؟ "
قلتُ: "نعم! "
" فقالت لي: "إن من الضروري جداً - لأنك نسَّاءٌ - أن تذكر جيداً ما ساقوله لك بعد قليل.." وسكتت للحظات، فارهفتُ السمع، ثم قالت: "أنتَ لي. كلُّ ما فيك لي. لن تُحقق وجودك إلا من خلالي. لن تُحقِّقه دون أن تحيا حياتك في حياتي، في اسراري، في احشائي. أريدُك قوياً قادراً على قبول حبي، وتقديم قربان المعرفة المطلقة التي ستستحوذ عليها، وتحطيم الظلمات وتبديدها، وإنارة العالم بدمائك، بلحمك، بجوانحك، بفانوسك السحري! صحوتَ من غيبوباتك الأبدية، وأُتيَ بك الى هنا لتُعلِّمك حياتُك، ولترى حياتَك وتحبها، وتصبح لحناً أبدياً في سيمفونية الحياة التي تنتمي اليها، وتحقِّق استمرارية الحياة. لا تقلق، سوف اشفيك من مرضك!" وعندئذٍ انتهى حلمي، وصحوتُ من النوم. "
-" فقط؟" يتساءل الصوت الأنثوي.
-" فقط." يقول محتاراً من الرؤيا التي تؤرقه، "ما معنى هذا الحلم؟ "
-" معناه أنك بَلَغْتَ مسافة يسيرة، لكن لا بأس بها، في سبيل الوصول الى شفائك. فقد بدأت الاحلام والرؤى والاشباح الشريرة تتجمَّع في فانوسك السحري! "
احلام، رؤى.. واين يراها؟ في الظلام الأبدي الذي يحيط به، في الغيبوبة التي تنتابه طويلاً، في عينيه الضريرتين او بالأحرى في عينيِّ عرَّافته اللتين لا تنفتحان إلا نادراً، وتظلان في حجاب ظلامي.
4- الاحــلام
يظلُّ يتعلَّم. الحقائق التي يتعلمها اجزاء اجوبة وكِسرات حقائق. وحدة، جهل، مرض وايمان مطلق. والظلام يُعمي! الغيبوبة؟ آه، إنها تصرعه بصمتها الكثيف ورؤاها المكدَّسة. الذاكرة؟ ضائعة! الاسئلة تلحُّ عليه سعياً وراء اجوبة تشبع ظمأه للمعرفة. "أين المعرفة؟" يصرخ كلما يفيق من احدى غيبوباته، فيجد أنه لا يزال في الظلام.
-" لماذا الظلام؟ لماذا الصمت؟ لماذا المرض؟ لماذا الوحدة؟ لماذا انا؟" يصرخ، ويسأل عبثاً دون أن يجيبه الصوتُ الأنثوي. تعتريه الغيبوبة، يصحو، ثم تصيبه غيبوبة اخرى يلبث فيها دهراً. حينما يصحو ثانية لا تواجهه إلا الاسئلة الأبدية التي تظلُّ مُعلَّقةً في حبال الظلام المتشابكة المعقَّدة، "اين الحقيقة؟ اين المعرفة؟ اين الاجوبة؟ متى يتلاشى هذا الظلام؟"
-" هل صحوتَ؟" يسأله الصوت الأنثوي الدافىء الناعم.
-" ماذا.. ماذا حصل؟" يتلعثم.
-" كنتَ في احدى غيبوباتك الطويلة!" يُجيبه الصوتُ الأنثوي.
-" لقد حلمتُ احلاماً غريبة وجميلة. حلمتُ أنني في مقام العرَّافة مرة اُخرى،" يقول ويمضي الوقت مليئاً بومضات من السعادة. لا يُجيبه الصوتُ الأنثوي بشيء، ولا حتى بتعبير موافقة. "لكنني لم أرَ العرَّافة، حياة، التي رأيتُها في رؤيايَ الاولى، إنما رأيتُ امرأة شابة اخرى، عيناها جميلتان مثل عيني العرَّافة بالضبط سألتُها: "مَن أنتِ؟ "
فقالت: "إنني زوجتك! "
فسألتُها: " ما معنى "زوجة"؟ "
قالت: "لا بُـدَّ أنك فقدتَ الذاكرة مرة اُخرى. انا زوجتك! قبل قليل تزوَّجنا، ألا تذكر؟! "
"ثم أتت الى جانبي، وهمست بأذني: "تخلَّى الجميع عنك. قالوا إن مرضك ميؤوس منه، لكنني سأشفيك بحبي! "
فقلتُ لها: "إنني لا اذكر أنني رأيتُك من قبل! "
قالت لي: "حينما كنتَ على اكتاف الذين حملوك وزفُّوك في موكب عرسنا، سقطتَ على رأسك عن اكتافهم، واصابتكَ غيبوبة. "
" وآنذاك، وهي تسرد عليَّ ما حدث، اعترتني رؤيا جديدة، لكنني في الرؤيا الجديدة رأيتُ تفاصيل دقيقة كثيرة لا بُدَّ أنني نسيتُها في الرؤيا الاولى، او لم استطع في السابق أن أعي اهميتها، رُبما لأنني لم اكن مُلـِمَّـاً بتلك المعرفة، معرفتي بذاتي.." يسكتُ فجأةً، وهو يشعر باثارة غامرة لا تجعله يقف عن الكلام. ما يُقلقه أنه يشعر بأن كلامه نفسه يجعله يتذكر ما جرى، لا أن كلامه ينبع من ذاكرته.
-" نعم،" يُشجعه الصوت الأنثوي بدفء، "ثم؟ "
-" ثم قالت لي مَن تدَّعي أنها "زوجتي": "لقد أتوا بك في زفَّةٍ وهم يحملونك على اكتافهم،" وآنئذ انبعثت الرؤيا من الظلمات، وانطبعت الذاكرة حيَّةً في مخيلتي. وبينما كانت "زوجتي" تسرد لي ما جرى، رأيتُ نفسي على اكتاف الناس المشوهين وانا اسألهم: "اين نتَّجه؟" قالوا: "الى حياة! "
"فسألتُهم: "مَن حياة؟" ولأرضائي وتسكين حركات اطرافي العنيفة، كانوا يرمون إليَّ بفتافيت من المعلومات عنها، لكنني لاحظتُ مدى جزعهم الكبير لأنهم سيتخلُّون عني، فقاومتُ وقاومت. أخيراً، نعم، اذكر أنني سقطتُ على رأسي، ولم أعُد اعي. مضى زمن - لا اعرف او اذكر كم كان - وانا في غيبوبة.
"قبل أن اصل مع المشوَّهين الى مقام حياة، صحوتُ من الغيبوبة. لم اعرف، وانا في وسط اصواتهم المختلطة، فيما إذا كانت حركاتهم ولولةً وحزناً، ام تهللاً واستبشاراً. كنتُ ارتدي بذلةً بيضاء. كان المكان يضجُّ بالعجيج والصراخ. حاولتُ أن أحرِّر نفسي من بين ايديهم، وفشلت وضاع صوتي في اللغط الصاخب. تناهى اليَّ من بين الافواه صوت: "إِنَّ أمك سعيدة بزواجك! "
فصرختُ بهم: "لكن ليس لي أم!! ألم تتخلَّ عني؟ ألم تجدوني في البراري طفلاً لقيطاً؟ "
-" ما زالت ذاكرته مفقودة! "
-" لعله جُنَّ؟ "
فصحتُ بهم: "إنني لستُ مجنوناً! وليس لي أم! "
وقال احدهم: "أمك، حياة، لا تزال على قيد الحياة! "
-" على أية حال، لا تخف.. ستشفى حتماً، وتعود الينا ونلعب في الفردوس!" تردَّد صوت يشوبه القلق. وسار الموكب، وازداد اللغط. تصاعد اهتياجي واضطرابي. صرختُ فيهم: "حرِّروني! اتركوني!" فقال احدهم: "ستعود لنا يوماً! أما الآن فإِنَّ عروسك في انتظارك! "
قلتُ لهم: "ليس لي عروس! "
فقال آخر: "بل انها الحياة، حياتك! ستنتظرك حياتك لتحياها وتملأها بالاحداث! "
"وسار الموكب حتى مقام العرَّافة، وادخلوني بالقوة، وهم يهزجون. اغلقوا الباب ورائي، وتركوني وحيداً في الظلمات. وبعد أن رأيتُ رؤيايَ او تذكَّرتُها - لا أدري أيهما أصح - عادت الفتاة التي ادَّعتْ انها "زوجتي" واخبرتني كيف حملتني من الغرفة المظلمة الصغرى، التي وضعني فيها اولئك المشوهون، وادخلتني الغرفة المظلمة الكبرى، وانا في غيبوبة تامة. وحين احيت ذاكرتي المرأةُ الشابةُ - "زوجتي" - تذكرتُ كل شيء...
"سألتُها: "ما معنى "زوجتي؟ "
فقالت: "أن تحيا حياتك في حياتي، في اسراري، في احشائي.. أن نعيش معاً!! ألا تُريد أن تحيا معي ؟"
قلتُ: "بلى، اريد. "
آنذاك كانت الظلمات لا تزال حاجزاً بيني وبينها. فقلتُ لها: "إنني اخاف الظلمات واشعر بالبرد! "
-" إذن، دعني اُضيءُ فانوسك السحري!" قالت لي واقتربت العينان من الفانوس السحري. حينما لمستْهُ شعرتُ أنها لمستني او لمستْ جزءاً مني. وحالاً انبعث الضوء والدفء في الغرفة، ورأيتُ المكان على نحو اوضح. كانت الغرفة مظلمة، رغم الضوء الشحيح الدافىء الذي تشوبه رائحة جسدي العارق.
"كانت الغرفة صغيرة، رغم أنني تخيَّلتُها اكبر بكثير. لكنها كانت اكبر من الغرفة المظلمة الصُغرى، حيثُ لم استطع أن اُمدِّد جسدي. بدا لي أنه لا يوجد منفذ يُفضي الى خارج الغرفة. ثم، وفي الضوء الخافت المُشبع برائحة العرق، رأيتُ جسداً يغطيه الأسوداد ويرقد في ناموسية شفافة. وظننتُ أنها "زوجتي." كانت هي فعلاً.
"فسألتُها: "أأنتِ "زوجتي؟ "
قالت: "أجل. "
قلتُ: "لماذا يُحجِّبك الظلام؟ "
فقالت: "من المفروض أن تكشف طرحتي عن وجهي بنفسك! "
-"لكنك كنتِ قربي قبل قليل. شعرتُ بوجودك بجانبي في الظلام حين اضئتِ الفانوس. "
-"كان من واجبي أن أعيد إليك ذاكرتك، وأن اُعلِّمك كيف تستخدم فانوسك السحري! "
-"لكنك ابتعدتِ! "
-"لكي تقترب مني! "
-" إنني خائف!" قلتُ وانا اشعر بدوار يغشى ذهني، واسوداد يُهدِّد وعيي.
-" إنك ترتجف. الغيبوبة تعتريك!" قالت وقفزت نحوي. رأيتُها، لكن نُعاساً شديداً اجتاحني. حالما لمستني براحتها اعترتني رؤيا غريبة حملتني الى الضياء. شعرتُ بفانوسي السحري يُضيء اكثر. أحسستُ بأنني احترق، احترق، احترق حتى عَبقَت الغرفة برائحة البخور البشري. سمعتُ زوجتي - او تهيأ لي أنني سمعتُها - تقول: "إن ما تشعر به الآن يُعزى الى مرضك، فاطمئن ولا تخف، ساحاول أن اشفيك! "
"رأيتُها تنهض وتحضر طاسة الرجفة من زاوية شديدة الحُلوكة. حين اقتربت مني زوجتي ومعها الطاسة، فقدتُ وعيي وغشيتني رؤيا اُخرى. احسستُ بشيء غريب يحدث حولي. الغرابة هي انني رأيتُ نفسي. نعم، رأيتُ نفسي وجسدي حقاً. كانت ذاتي مجسَّدة في جسم ذي شكل قائم. كان جسدي جميلاً.
"في الرؤيا ذاتها رأيتُ الشابة الجميلة، زوجتي، تمدِّد جسدي على امتداده. ثم أخذت تدهن جسدي العاري بسائل قالت انَّه "زيت." وبعد أن دلَّكت زوجتي جسمي كلَّه براحتيها وهي تُردِّد تعاويذها: "لا تخف! ساشفيك! ساشفيك!" شعَّ جسدي بوهج قوي، وغدا فانوسي مضيئاً بشدة قوية حتى انتشر ضياء كاد يُعمي بصري.
"بدا لي وانا مغمض العينين أنني أرى حلماً آخر، وفيه رأيتُ جسمي يشتعل ويتصاعد منه بخور ضبابي ملأ الغرفة، مما عمَّق شعوري بالغيبوبة او تذكيري بها. كان البخور المتصاعد من جسدي ذا رائحة مميزة، كرائحة عرقي، بل رائحته نفسه. تهيَّأ لي أنني كنتُ احترق، كأنَّني كنتُ فانوساً سحرياً، او كأن الفانوس ليس إلا ايايَ نفسي.
"كلما اضاء الفانوس بقوة أشد وتصاعد البخور من لحمي العارق المشتعل، إثرَ ملامسة زوجتي لجسدي، غرقتُ في احلام الغيبوبة ورؤاها الغريبة اكثر فاكثر. ويا للأحساس الذي كان ينتابني آنذاك!! كنتُ اشعر بأنني اتحرَّر من جسمي، وأنني اطير حُرَّاً، احلِّق عالياً، امشي في بلدتي "الفردوس" الجميلة والعجيبة، في جنائنها اليانعة، بين اشجارها الريَّانة وازهارها الطريِّة النديِّة.
"لا أدري كم مرة كنتُ اصحو من نومي او غيبوبتي واجد نفسي في الغرفة خافتة الإضاءة! كلَّما استعدتُ وعيي وصحوتُ من رؤياي واحلامي كنتُ أرى زوجتي الشابة الجميلة وهي تلمس جسدي وتدلِّكه. كنتُ اسألها: "ماذا تفعلين؟ "
فتقول: "إنني اشفيك من مرضك، واُفرغ فانوسك من الاشباح والاحلام والمردة!" ذاتَ مرة صحوتُ من نومي او غيبوبتي او حلمي - لا أدري! - ورأيتُ زوجتي وهي متمدِّدة بجانبي. كان جسدها العاري جميلاً، رشيق القوام، ناعم الملمس، وفي منتصفه شقٌّ طولي عميق الغور من الظلام. احسستُ أن أرضية الغرفة اسفلي قد انشقَّت انشقاقاً طولياً، وأخذ الشقُّ الطوليُ اسفلي ينفتح مُـتَّسعاً اكثر فاكثر، وانسللتُ عبره شيئاً فشيئا، وأخذتُ اغرق فيه، اغرق، اغرق حتى اختنق ضوء فانوسي وانطفأ، واحسستُ بأنني اسقط، اسقط، اسقط، واتكسَّر، اتكسَّر، اتكسَّر فتافيت.
"حلَّ الظلام حولي في الغرفة الكبرى، وامتلأَ الظلام بازواج من العيون. احسستُ أنني مشوَّه. أما زوجتي الشابة الجميلة العارية فما عُدتُ أراها، لأنني غرقتُ في الغيبوبة او الظلمات مرة اُخرى." يقول مُنهيا احلامه، وينتظر جواباً من الصوت الأنثوي الرقيق باهتمام.
-" أقلتَ أنك احسستَ بأنَّك، في حلمك الاخير، تسقط وتتكسَّر وتصبح مشوها؟" يسأله الصوت الأنثوي الناعم بفضول.
-" نعم!" يقول خائفاً مرتعشاً.
-" وماذا عن ازواج العيون؟ "
-" بعد أن غرقتُ في الظلمات، وكان ضوء فانوسي قد انطفأ، وانتهت احلامي، شعرتُ أنني لستُ قادراً أن أرى أي شيء حولي بوضوح، كأنَّ لي عدة ازواج من العيون او أنني اعاني من تشتُّت بصري. لم أكُن استطيع أن اُركِّـز نظري في شيء محدد! "
-" هل انطفأ فانوسك كُلياً ام أنَّه نُوِّسَ ضوؤُه؟" يسأله الصوتُ الأنثوي الرقيق ببرود ولامبالاة كأنَّه توصَّل لحقيقة ما.
-" ضوؤُه انطفأ كلياً، ولم يعُد وجود للبخور المتصاعد من جسدي والمشبع برائحة عرقي. ماذا يعني كلُّ هذا يا "حياتي"؟ "
-" يعني أنك ستشفى قريباً من مرضك، ورُبما تعود الى "الفردوس" أيضاً."
-" ماذا عن هذا الظلام البغيض؟ ألا يمكن أن ينقشع؟ "
-" كيف ينقشع وقد انطفأ فانوسك وخرجت منه احلام الحياة واشباحها؟ لن ينقشع ما لم تتخلَّص من جسدك المشوَّه." يقول الصوت الأنثوي الرقيق بهدوء ودفء.
5- ما بعد الرؤى
-" هل جسدي مشوَّه فعلاً؟" يسأل الغريبُ الصوتَ الأنثوي بوجل "ألم أكُن مشوَّهاً في الرؤى وحسب؟ "
لكن ليس من وجود إلا للصمت المُطبق. الصمت غيبوبة بلا رؤى او احلام. ازواج العيون مُعَلَّقةٌ في الظلام؛ والرؤية مفتَّتة، كشظايا لوحة من الزجاج. مئة عين او نحوها تنظر اليه، تحدِّق فيه، تتحسَّر عليه، وبعض العيون تنتحب وتولول.
-" سيغادر الى "الفردوس" ويتركنا! من يُصدق هذه الفاجعة؟" يولول صوت لعينين معلقتين في الظلام.
-" يا "حياتي!" يا "حياتي"!! "
-" ماذا تقول؟ "حياتي"؟ أنتَ على بُعد قليل من موتك وتدعو حياتك؟ آه، يا ليتني كنتُ بدلا منك!! "
-" رُبما تقصد أمُنا "حياة"؟ لقد ماتت زوجتك يا والدي منذُ زمن بعيد! آه، آه!" ينتحب صوت آخر بلوعة. "مَن كان يصدِّق أن ابي يحتضر؟ آه! "
-" ابي، ابي! "
بصعوبة بالغة تعتريه حُشاشةُ رؤيا غريبة ومشوَّشة، وفيها يظهر المكان ضبابياً. يرى ازواجاً من العيون حوله، ويرى نفسه ملفوفاً بقماش ابيض ناصع.
-" يا "حياتي"!" ينادي الصوتَ الأنثوي عبثاً. "مَن هؤلاء يا "حياتي"؟ "
يتعالى النواح والعويل. "أنَسيتنا؟ إنه فاقد الذاكرة. آه يا والدي! "
-" ألا تذكُرني؟ انا ابنك. وهؤلاء ابناؤك وبناتك واحفادك!" يقول صوت آخر.
-" حياتي، أين يحملونني ويأخذونني؟" يصرخ ويتخبَّط جسده في ظلماته.
-" انظروا! إنه يحتضر!" يتحسَّر صوتٌ مُشْبع بالألم.
-" يا حياتي! يا حـيـاتـي!!! " يصرخ هائجاً حتى تصيبه حُمَّى خوف شديدة. "اتركوني! اتركوني! "
فجأةً : "لا تصرخ! إذا صرخت فلن يفهموك!" يأتيه الصوت الأنثوي الرقيق.
-" يا حياتي، إنني مُسجَّى ها هُنا. يقولون إِنني احتضر. واناديك فيقولون انك توفيتِ. "
-" ما زال يهذي! "
-" اموت؟ أنسيتَ؟ إنني لا اموت. انا سرمدية الوجود. انا مَن تعيش منذ الأزل حتى الأبد! "
-" انظروا كيف يُحدِّق في الجدار!" صرخ صوت ما.
-" انقذيني من ازواج العيون، يا حياتي!! "
-" حياتك لم تعُد لك. انتهت كلُّ احلامك ورؤاك. ها انا شفيتُك من مرضك. كلُّ شيء انتهى. فرغ فانوسك السحري من الاشباح والمردة الشريرة. أنتَ معافى. بعد قليل ستعود الى موطنك الأصلي. كما أن لديَّ مرضى آخرين، كلُّ واحد منهم يعيش في غرفته الخاصة به. أتعتقد أنني "حياتك" وحدك؟!" يعاتبه الصوت الأنثوي برقَّة.
-" لكنَّني سأموت يا "حياتي"!" يقول وجلاً.
-" ما زال ينادي "حياته!" كيف لي أن احتمل هذا؟ آه!" ينوح صوت ما.
-" لا، لن تموت!" يُطمئنه الصوت الأنثوي هادئاً كعادته. "بل ستغشاك ظُلمةُ الصمت الأبدية. ستكون كاملاً، كما كنتَ قبل أن تدخل الغرفة المظلمة الكبرى، قبل أن تعيش حياتك، قبل أن تعيشني! ستكون كاملاً. ستكون لاشيئاً. لن تحتاج شيئاً. فلا تجزع أيها اللاشيء، سوف تكون في احشائي - وستكون بي - شيئاً!!" يقول له الصوت الأنثوي برقة ودفء.
-" مَن ازواج العيون هؤلاء الذين تُخيفني اصواتهم؟ "
-" إِنهم بعض مرضاي، مرضاي الجُدد، الذين ستُخلِّفهم وراءك بعد أن تُغادر الغرفة المظلمة الكبرى. "
-" الى اين يحملونني ويذهبون بي؟ "
-" الى ما بعد هذه الغرفة، الى ما بعدي، الى ما بعد حياتك العرَّافة. سيعيدونك الى الغرفة المظلمة الصُغرى، ثم تخرج الى موطنك الأصلي، الى عالم الكمال، الى عالم السكون، الى اللاشيء، الى ما بعد الرؤى، الى الضياء، الى بلدتك "الفردوس"، ألا تُريد ذلك؟ "
-" بلى، أريد. "
-" حرارته تنخفض! آه!" يصرخ صوت ما. "اصبح لونه ازرقَ! "
-" أقُلتَ أنك تُريد أن تعود الى "الفردوس"؟" يسأله الصوت الأنثوي، ثانيةً.
-" بلى، أريد! "
-" لقد اصبح لونه أشدَّ أزرقاقاً! "
فجأةً، وهو ينظر الى الظلام الذي يُحيط به، تزول عن الوجود بقعتان من الظلام، فإِذ بهما تلكما العينان اللتان كان احياناً يراهما حين يسمع الصوت الأنثوي الرقيق. "أنتِ ما زلتِ موجودة يا حياتي!؟ "
لا يُجيبه شيءٌ إلا الصمت وصمت العينين. ثم يتلاشى امام عينيه حجاب غير مرئي، فإِذ -ويا للعجب! أية صُدفة! كلا، ليست صدفة!- فإِذ يرى، يرى -ويا للعجب! غير معقول!- يرى، يرى ...
-" أنتِ، أنتِ تشبهين .. وجهك، ملامحك، عيناك.. كلا، كلا، بل أنتِ مَن رأيتُ في حلمي الاول! نعم، أنتِ الصوت الأنثوي الرقيق، وأنتِ العرَّافة التي رأيتُ وجهها وقالت إِنها تُدعى حياة.. أنتِ كلاهما! أنتِ كلاهما! "
-" إنه يهذي، يهذي! أي مصير حقير نسعى اليه! آه! آه!" يبكي صوت ما.
-" ها هم جفناه قد اُسدلا الى الأبد!" ينوح صوت آخر ويشتدُّ بكاؤه.
-" أنتِ كلاهما!" ثم، امامه، يرى، يرى الظلامَ كلَّه ينحسر ويتلاشى نهائياً، ويغمر عينيه ضياءٌ ساطع قوي.
-" لا! لا يمكن أن يكون هذا! لا استطيع أن احتمل وجودك المطلق يا "حياتي!!" لا احتمل الحقيقة المطلقة العارية، حقيقة الموت، حقيقة الحياة، حقيقة حياتي، حقيقة عرَّافتي، حقيقة وجودي!! لماذا أنتِ عارية؟ لماذا كشفتِ لي عن نفسك؟ لماذا لم تجعليني اعرفك وأراك من قبل؟ آه، الخوف يُزلزل كياني، يدمِّرُني!" يصرخ وجسده يرتعش.
-" كيف تقول إِنك لم ترني عارية من قبل؟ ألا تذكرني؟ ام أن ذاكرتك على حالها؟ "
-" لا، بل رأيتُك! نعم، أنتِ، آه، أنتِ، نعم أنتِ الفتاة العارية التي قالت إِنها "زوجتي".. وأنتِ أيضاً العرَّافة.. نعم، نعم، أنتِ زوجتي والعرافة حياة والصوت الأنثوي الرقيق والمرأة ذات الوجه الجميل.. آه، أنتِ، أنتِ كنتِ معي دوماً، وانا كنتُ اجهل ذلك! ماذا، ماذا تفعلين؟" يسألها إذ يراها تُعرِّيه وتتحسَّس جسده المشوَّه.
-" أحمِّمك الحمام الأخير لتكون طاهراً وتخرج الى ’الفردوس.‘ "
-" والى أين يحملونني الآن؟" يسألها. " يـا ’حـيـ ..‘ "
-" إِنَّه يلفظُ حياته!" يصرخ صوت ما في الظلام.
يحملونه في الظلام، كما حُمِلَ وأتِيَ به الى عرَّافته، حياة. يُسجُّونه في الشِّقِّ اللحدي. يغطُّونه بالظلام والعتمة. المكان موحش وبارد. يشعر بالبروده، يشعر بالوحدة، يشعر بالغربة. فجأةً ينفتح شقٌّ طوليٌّ يتَّسع ويستطيل. يتَّجه اليه، حاملاً جسده البارد الرطب. يزحف عبر الشق. ويجدهم جميعهم هناك، خارج الشق، ينتظرونه ليلعبوا في "الفردوس."
21 حزيران 1988
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب