نهض من السرير. مسح عن عينيه الصغيرتين الحادتين ما تبقى من احلام ليلة أمسه المقززة. كانت ذاكرته لزجة كبزاقة حلزونية بطيئة. نظر في المرآة فرأى وجهاً طرياً غبياً وملامح تخلو من الرجولة. شعره ناعم قصير، أنفه صغير، فمه مُسمسم، ما زال زبد ريالته الناشف عند زاويتيه، فبدا كأنَّه رضيع أنهى للتو وجبته من ثدي أمه. أما شاربه فكان زغباً اشقر يكاد لا يُرى بالعين المجردة. وحين بدا له عُريه الهزيل، تدفقت في عينيه صور سريعة الحركة قلبت معدته فشعر بالقرف والخوف والألم. رزحت فوق ظهره صخرة كبيرة. أن تكون في السادسة عشرة هو أن تكون... لكن أن تكون ماذا؟
قبل ايام قليلة التقاه أبو فارس، حماه، فقال له، "صدِّقني يا نوح، والدك أب لا مثيل له! أنظرْ ماذا فعل لك: زوَّجك قبيل وفاته، سترك مع امرأة محبة، وكتب لك املاكه! لو كنتَ بحاجة لعينين لأعطاك عينيه. ولا تنسَ أنك كنتَ ماضيه وحاضره!! "
طأطأ نوح رأسه مُقرَّاً بالحقيقة، وقال والمرارة والعجز يقطعان قلبه، "وكنتُ مستقبلَهُ الذي سيأتيه بالخلف الذي سيحمل اسمه! "
-" هذا حقه! لا اقول هذا لأنك زوج ابنتي. أتعرف؟ كان يدعك تُصلِّي لتكون له شفيعاً في الآخرة. "
هز نوح رأسه. " قال لي هذا مراراً! "
-" ابوك، رحمه الله، لم يسمع نذيري. كنتُ اقول له أن شفيعه الوحيد هو العمل الصالح، وأنه لن ينفعه مال او ولد! "
برطم نوح بأسى امام حميه كأنَّه يخاطب نفسه، "نعم، لن ينفعه ولد! "
-" لكنه لم يُصغِ لي أبداً. أما أنتَ يا نوح فيجب أن تُصغي إليَّ جيداً، هداك الله! اعمل العمل الصالح يا نوح. لا تنسَ نصائحي، ضعْها حلقاً في أذنك! اجتنبْ تبذير تركة أبيك. هذه السيارة التي تود شراءها - كما سمعت - لن تنفعك! لماذا تريد ان تهدم ما بناه والدك وما سيكون لابنك، صُلبك، لحمك ودمك!؟ وإن بذَّرت ثروة أبيك، واورثتَ ابنك الفقرَ، فلن يغفر لك ابنك أبداً، مثلما لن تنفع شفاعتُكَ والدَك! "
ارتدى ثيابه وهو يتمتم، "نعم، لن ينفعه ولد!" وإذْ بزوجته تستيقظ في السرير، فتجبَّدت. حالما أدركت أنه سيخرج من البيت، فزَّت على قدميها وسألته وهي تتناول فستانها الاحمر، "أنتَ خارج؟ هل اعد وجبة الافطار؟ شاي؟ ألا تريد أن تستحم؟ "
فغضَّ بصره عن جسدها العاري وقال، "لا!" وسارع خطواته. وفي غمرة شعور بالضعف، شعور بالعجز، شعور بالهرم، شعور بطفولة لم تكتمل، خرج من غرفة النوم.
-" نوح! أين ستذهب؟" سألته زوجته، دُنيا. لم يُجبها، واتجه الى الباب الخارجي. "أجبني! أنظر إلي! "
وقف نوح، استدار، نظر اليها بعينين غائرتين مُطفأتين. أخذت دُنيا تُزرِّر الفستان من السُّرَّة الى العنق. تموَّج كشكش الفستان الأحمر. انتابته حُمى ساخنة أشعرته بالذوبان، فكَّر، "سنعود الى لعبة الذوبان الحقيرة ذاتها؟" لكنه صمَّم على شيء واحد: أن يرفض! اعتقد أنه لن يبني بهذا الرفض مستقبلَه فحسب، وإنما سيُعيد تشكيل حاضره وماضيه بالشكل الصحيح. قرر ألا يعيش بعد ذلك اليوم في حلقة مفرغة أبداً، مثل البغل الذي يحرث الأرض جيئة وذهاباً. كلا! فتح الباب وخرج!
-" لا تنسَ ما قاله لك أبي!" صاحت دنيا وهي تقف عند الباب، "لا تنسَ وصايا أبيك! لا تشترِ السيارة، أتفهم؟ "
أراد ان يبني حاضره ومستقبله بالشكل الصحيح. أراد ألا يكون لعبة لإرادة أبيه الميت. ألم يمُت؟ نعم. إنَّه حُر، الآن. وجد مصطفى ينتظره فصافحه. مصطفى رجل مسكين، يقول عنه الجميع: "طوله طول النخلة وعقله عقل السخلة!" يحرث والده على ظهره، ويُذيقه الأمرَّين. جثته ضخمة، وعلى ظهره حدبة منتصبة كجبل قرنطل. طوال حياته لم يحظَ بشيء تمَّناه، لا عروس ولا بيت ولا مال، وليس له صديق وفيٌّ إلا نوح. يتندَّر عليهما أهل البلدة بأنَّهما يشكِّلان معاً رقم 10، وذلك لأن نوحاً قصير ضئيل كالصفر ومصطفى طويل كالمئذنة. حين يسخر منهما احد ما يقول، "طيزين في باس واحد!" أما المحزن في أمر مصطفى فهو أن أباه يعده دوماً بتزويجه، لكن يتضح في نهاية الأمر أن والده خطب العروس لنفسه، فاصبح لديه اربع نساء. ومَن يعيلهن واولادهن إلا مصطفى العامل النشيط؟ رغم ذلك فهو متفائل، فوالده لا يحق له الاقتران بخامسة، إلا إذا ماتت احدى زوجاته. ولهذا يدعو مصطفى لزوجات ابيه بطول العمر ودوام العافية.
-" اين تذهبان؟" سألهما شخص ما.
فقال مصطفى، "لنحضر العروس. إنها جميلة وجديدة لنغ! "
غضب نوح وصرخ بنزق، "لا تقُل "عروس!" لا تجعلني اتقيأ؟!" وادار وجهه ليركب سيارة أبي مصطفى العتيقة، فارتطم بجسد حميه، أبي فارس. تطيَّر من خلقته، من عينيه السوداوين الجاحظتين، وأنفه الكبير الذي تحرس فتحتيه بزاقتان خضراوان من المخاط، وشاربيه اللذين يربط بهما عشرة رجال ويعشعش فيهما البرغوث والفئران، ولسانه الطويل مثل السجادة المهرية القذرة في ديوان القرية، حتى جسده القصير المبعج والمطعج ككيس القمامة.
-" أصحيح أنك بعتَ الحانوت؟" سأله أبو فارس صارخاً.
" نعم. "
-" وستشتري بالمال سيارة؟ "
-" نعم. "
-" أجننتَ؟ سيارة؟ اعقلْ يا نوح، السيارة لا تُدِرُّ عليك مالاً. اتكلم مع طفل انا؟ أنتَ رجل ويجب أن تتصرف مثل الرجال.. تصرفاتك صبيانية!! "
-" لماذا قَبلتَ زواجي من ابنتك، إذن؟" قال له نوح ووضع يديه على خاصرته تعجباً.
-" أنتَ طائش! فقدتَ رشدك! "
-" انا حُر! "
-" ماذا عن ابنتي، زوجتك؟ "
فأصدر نوح آهة لامبالاة وقال، " ستعيش!" ولوى رأسه تاركاً حماه واتجه نحو سيارة أبي مصطفى.
-" ستعيش؟ سأذكِّرك بشيء يا نوح. لن تعيش ابنتي مع ابن من دمك ولحمك، حسناً فليكن! لكن لماذا لا تعيش عيشة كريمة وتوفِّر لها كل اسباب الراحة؟ وأنتَ.. أنتَ تبذَّر تركة أبيك؟!! "
اقشعرَّ جسد نوح، اصطكَّت اسنانه، قرقعت عظامه. تجمَّد مكانه. مَن قال لحميه، أبي فارس، أن نوحاً عا.. عاجز عن الخلفة؟
"ذلك الخبيث الداعر! كان يعرف أنني لا أخلف، ورغم ذلك قَبلَ أن يُزوِّجني من ابنته! ويقول لي: "اعمل العمل الصالح!" وينهاني عن تبذير ثروة أبي، ويدعوني للحفاظ عليها لتبقى لابني! .. " صُلبك، لحمك.." مُنتهى السخرية والاحتقار، منتهى القسوة والوحشية! "
لكن كيف ومتى عرف أبو فارس بأن نوحاً عاجز؟ حين ذهب نوح مع والده الى الحكيم، لم يعلم الأمر سوى نوح ووالده. ها هو فضحه فضيحة وعليها شهود! سمع معظم اهالي البلده ابا فارس وهو يقول، "لن تعيش ابنتي مع ابن من دمك ولحمك!" اخترقت اصداء كلمات أبي فارس آذان الجدران حتى وصلت الى مَن في البيوت. أخذت العيون اللزجة تلتصق بالرجل، نوح، الذي يقف امامهم. أصحيح أنه رَجُل؟
في السادسة عشرة يكون الشاب رجُلاً، هكذا سمع الناس يقولون. أما الشاب الذي يتزوج فلا بُدَّ ان يكون رجلاً! ونظر اليهم والعيون تتقاذفه وتفحصه بنظرات طويلة شامتة. عيون مُتَّهمة صارخة، واللامبالاة مرسومة على الوجوه. سمع العيون وهي تقول: "لن تعيش زوجته مع ابن من دمه ولحمه.. إنه ليس رجلاً!" أحسَّ بألم في ظهره يوخزه. كان الألم ثقيلاً كصخرة لا يمكن ازاحتها. وجد نفسه يصعد بسرعة الى سيارة أبي مصطفى الكركوبة بجانب صديقه، وانطلقا ليحضرا "العروس،" وتركا ابا فارس يشتم ويشكو ويزعبر مثل الزعران.
كانت البلدة تقع اسفل واد عميق، تخنقها الجبال بظلال كئيبة من جميع الجهات. كان الطريق الوحيد اليها متعرِّجاً كأنَّه زنبرك حلزوني. كانت البلدة صغيرة وتبدو كحلزونة مقلوبة على ظهرها، كأنَّ القدر "قلب عاليها واطيها." ورغم أن البلدة غائرة تحت مستوى البحر بمئات الامتار، فأهلها بُسطاء وعاطفيون لدرجة لا تُصوَّر. كانت السيارة تدور وتدور، ترتقي خارج البلدة، ترتفع، تسمو براكبيها الى فوق، فوق، فوق..
-" أتعرف يا نوح؟ كُلَّما أصل الى قمة طريق البلدة، يغمرني الضياء ويملؤني السمو! اشعر - أتعرف؟ - اشعر كأنَّني ملاك اطير فوق الغيوم والشمس، ولا اشعر أنني صرصور ازحف في الظلام على التراب.. هه هه! نكتة ولا تضحك؟ واضح أنك خائف من السرعة؟ "
-" لا. "
فقال مصطفى بنبرة العالم الخبير بامور السيارات، "كما قلتُ لك: لن تشعر بلذة ركوب السيارة ما لم تتذوق السرعة. السرعة هي وحدها التي تعطيك فعلاً الشعور باللذة!! "
اشاح نوح وجهه عن مصطفى، وقال، "كلام فارغ! السُرعة تُشعرك وتؤكد شعورك بالموت الآتي!"
-" نوح، لماذا أنتَ سوداوي؟ "
-" اعتقد أنها البلدة. إنها خاوية. ما فيها ميت: الوجوه، النظرات، البيوت!"
-" نعم، هكذا والدي. إنه طبل اجوف، مثل البلدة! هه هه هه! نكتة اخرى ولا تضحك؟ قُلْ شيئاً، أيَّ شيء! مثلاً ، ما الذي بينك وبين حميك؟ "
ماذا جرى بينه وبين حميه؟ فكَّر نوح. حاول ان يفسر بعض النتائج عساه يصل الى نتيجة ما. لكن أن يكون المرء في السادسة عشرة وأن يصل الى تفسيرات صحيحة يُعَد أسطورة بل معجزة!! يبقى الحل الممكن هو أن يبني المرء حياةً جديدة، إذا كان عاقلاً، او أن ينتظر نبياً يهديه الى الخلاص إذا كان يافعاً جاهلاً . رُبَّما يساعده النبي المُنتَظر او الحياةُ الجديدة على نسيان الماضي، لكن الماضي عدَّاء سريع يطاردك دوماً، ولا يجعلك تلتقط انفاسك التي تبذِّرها هنا وهناك على طول الطريق ما بين ميلادك ووفاتك، أما ابن السادسة عشرة فيقف عاجزاً، لا حول له، تماماً كما حوقل الشيخ أبو نوح حين خرج وابنه من عيادة الحكيم.
-" ربك حكيم يا نوح! نصف الألف خمسمائة. لا تفكر كثيراً، وقُلْ لي كيف بدأت المشكلة؟" سأله مصطفى مرة أخرى.
قال نوح وهو شارد الذهن، "لا بد أنه حكيم جاهل بعلمه، حكيم قاسٍ باختباراته وآلامه التي يقنعنا بأننا سببها! "
فصاح مصطفى بحمية المؤمن الصادق، "جاهل؟ تكفر بالله؟ ويلك، ماذا تقول؟ "
-" عندما ذهبنا اليه... ؟ تمتم نوح.
-" ذهبتم اليه؟ الى مَن؟" صاح مصطفى متعجباً.
-" عند الحكيم.. الدكتور.." قال نوح. هل كانت عند الدكتور بداية المشكلة؟
-" لماذا تهذي؟ حكيم.. دكتور.. قُلْ لي كيف بدأت المشكلة معه؟ مع حميك، يعني؟ وماذا قصد حين قال إِن زوجتك لن .. هه هه هه!..." وانطلقت من شفتيه ضحكة ساخرة مُدوية، "لا بُد أن حماك مجنون؟!! "
ضحكة مصطفى شبيهة بضحكة أخرى ما زال صداها ينخر في كيانه كالمنشار الصدىء، فيثير آلامه ويُنزف دمه وقيحه. كانت تلك الضحكة قد اطلقها الحكيم حالما خرج نوح وابوه من العيادة. كان الدكتور بشير النوراني صغير السن، أشعث الشعر، سيء الهيئة وزري الثياب. كان معطفه الأبيض غير المُزرَّر يكشف عن قميص مُتَّسخ ممزَّق. ولم ينسَ نوح أبداً كلمات الحكيم التي اتعست حياتَه وكوبستها : "لن يكون في قدرة ابنك أن يخلف بعد مدة لا تزيد عن الشهرين!! "
لكن نوحاً في السادسة عشرة، ووالده العجوز دنا من حافة القبر، تكاد قدمه أن تنزلق. فقال لابنه، "ما رأيك؟ دُنيا جميلة، ستليق بك. سأزوجها إِياك! "
-" لكنني لا أريد الزواج يا ابتي! "
-" ألستَ رجلاً؟ والرجل يا شاطر مَن يُثبت رجولته. أتفهمني؟ أريد ولداً، أتفهمني؟ ولداً يحمل اسمي! "
قال الشيخ العجوز وضحك وضم ابنه الى صدره كعادته، وأخذ يقبله.
-" لكنني لا أريد أن أتزوج يا أبي! "
-" ألا تُحبني؟ "
-" بلى، أحبك! "
-" أطلبتُ منك يوماً أن تفعل شيئاً لأجلي؟ "
-" لا. "
-" ها انا اطلب منك معروفاً صغيراً، ستفشلني؟ أنتَ سمعتَ ما قاله الحكيم. لقد قدَّر مدة قدرتك الجنسية بشهرين فقط. ولن تخلِّف بعد ذلك! "
-" ما بك لا تُجيبني يا نوح؟ ما مشكلتك مع حميك، يا رجل؟ أم أن مصدر مشكلتك مع الزوجة؟" عاد مصطفى يسأله ثانية.
"مع زوجتي، دنيا؟ الفستان الاحمر. السرير. لعبة الذوبان! غريب ذاك الشعور، يهدُّ حيلي، يُذيبني، يميتني ببطء، وانا لا اعرف لماذا اكرره وانجرف فيه؟ لماذا انساق اليه رغماً عن إرادتي؟ ابن السادسة عشرة! كثيراً ما اشعر بالقرف، اشمئز من لساني، ورائحة جسدي، وعُريي، وعيني الخابيتين. انساق اليه كلَّ ليلة وحتى اثناء النهار، مُنذ زواجي. "هيا!" تصيح عينا دُنيا في الظلام واذوب. دُنيا دائماً تُرحِّب بي، تسعى لراحتي: "هل تريد أن تأكل؟ تشرب؟ تنام؟ تستحم؟ هل..؟" ويهتز الفستان الأحمر، ويجذبني زمامُ سكونها مثل الثــور.. "
-" الثور.. هل شاهدته الليلة الماضية كيف يصارعه المصارع الاسباني؟ تورو.. تورو.. تورو!!" سأله مصطفى ليُغير موضوع مشكلة نوح مع حميه.
-" الثور؟" تساءل نوح.
-" نعم، الثور.. والقماشة الحمراء.. والمصارع!! قال المعلِّق أمس.. اسمعني! لا تريد أن تخبرني عن مشاكلك، حسناً، على خاطرك، لكن اسمعني! قال المعلق أمس إن الثور، ثور المصارعة، يجب أن يكون يافعاً وغير خبير بحلبات المصارعة من قبل. وما على المصارع إلا أن يهزَّ القماشة الحمراء، ثم ينتظر باستسلام، ويبقى الباقي على عاتق الثور، فيكون التحفز، والوثب والانقضاض، ثم الموت، أتُصدق؟ "
-" ولماذا يكون الثور يافعاً وصغيراً؟ "
-" ليكون غريراً وجاهلاً ويَسهُـل قتله! "
-" أيجب أن يصارع؟ "
-" ليس له خيار. "
-" ألا يوجد عدل في الدنيا؟ "
-" لديه قرنه، يمكنه أن يغرزه في جسم المصارع!! "
-" هذا مؤلم وربما مميت!!؟ "
-" في النهاية، على الثور ان يموت، لِيُؤتى بثور آخر!! "
"نعم، هو ذلك الشعور، شعور بالموت والذوبان! والخوف ظلام يغشى عينيَّ ويُضعفني حتى اصبح كالبطانية سهل الالتواء والتكسُّر! "
-" لكن، يا أبي، دُنيا.." قال وهو يتخيَّل دنيا فاقشعرَّ بدنه. "دُنيا؟" ذات الخدود الناشفة، والعينين المعمصتين كخرم الإبرة؟ دُنيا، "أم جالوق"، الفائزة بلقب "عانس البلدة" عن اقدمية وجدارة؟ دُنيا، تكبره بعشـ.
-" دُنيا؟" تساءل والده ونظر نحو نوح نظرة حانية ما زالت حيةً في عينيه، تقرأ افكاره، "دُنيا؟ أتريد يا نوح أن تقول انها تكبرك بخمسة عشر عاماً او اكثر قليلاً؟ "
هزَّ نوح الصغير رأسه. ابتسم الشيخ العجوز، وضع راحته على رأس ابنه يطمئنه، "إنها امرأة! لا تريد هذا؟ سترعاك بعد وفاتي! "
هزَّ نوح رأسه، وقال، " شيء عجيب وسخيف وليس له معنى، ألا توافقني؟ يأتون بالثور ليموت! "
-" نعم، عجيب! "
"عجيب! كيف تمَّتْ موافقتي على الاقتران بدُنيا؟ هل كانت الموافقة على الزواج مصدر المشكلة؟ رُبما نبعت المشكلة من تأثير حبي الكبير نحو والدي العجوز؟ نعم، هو ذاك! كلُّ شيء واضح! السبب هو حب أبي نحوي، حب الوالد المسن لابن وحيد يتيم الأم أتاه في خواتيم عمره، فكان له أباً وأماً! إذن، المشكلة موجودة قبل زواجي بدنيا، وبالتحديد حين قرَّر أبي أن يتم الزواج. لا، بل حين أصرَّ والدي على أن يأخذني الى الحكيم إثر ألم بسيط في المعدة. لا، بل إِن المشكلة موجودة منذ زمن طويل: مُنذُ المدرسة! كان يخاف عليَّ من أذى الاطفال والاصحاب. دوماً كنتُ صبياً متميِّزاً عن الآخرين. لم يحرمني والدي من شيء. لكن لماذا؟ أكان يخاف علي حقاً أم يخاف أن يفقدني؟ ثمة شيء آخر اقلقني دوماً : فارق السن بيني وبين والدي كان خمسة وخمسين عاماً. ما معنى ذلك؟ أمظهرٌ آخر لغربتي؟ إذن، المشكلة مصدرها قديم ومتأصِّل. آه، يا للألم الفظيع في ظهري!! لماذا أريد أن اشتري سيارة؟ "
-" أراك شارد الذهن.." همس مصطفى، ثم فجأةً صرخ، "يلعن هيك دنيا! "الرادياتر" سخن!! "
توقفت السيارة، وخرجا منها. كان البخار ينطلق بقوة من تحت غطاء المحرك. لم يجرؤ أن يلمس غطاء "الرادياتر" الساخن، فصاح في نوح ساخطاً، "نريد ماءً! يجب أن نبحث عن الماء! "
فصرخ نوح متذمراً حانقاً، "هذا حدث من السرعة اللذيذة.. "السرعة هي وحدها التي تُشعرك باللذة!".. هه؟ كيف طاوعتك لاشتري سيارة! "
-" لا تشاجرني الآن. لماذا لا تذهب وتبحث عن جدول ماء او نبع ؟"
-" قلتُ لك سابقاً، "السيارات مقززة!" لكنك... يا ربي! "
فجأةً هلَّتْ سيارة بيضاء من فوق جبل بعيد، بدا فوق الغيوم. كانت السيارة تسير بسرعة بطيئة، بلامبالاة. في النهاية توقفت عند مصطفى ونوح. كان ظهور السيارة في تلك الأزمة أمراً غير متوقع أبداً او حلماً رائعاً، بل نبوة مستحيلة تهدي مَن يضل سبيله الى الصراط المستقيم، وتمنحه دُنيا الاحلام والعجائب. خرج من السيارة رجلٌ في الخمسين من عمره، ابيض الشعر، مهيب الطلعة، ذو لحية بيضاء، في عينيه سُخرية العقلاء، وفي نظراته الثاقبة حكمة وفراسة بنفوس البشر.
-" آه، يا شبان، يبدو انكما افسدتما كلَّ شيء! أترغبان بالمساعدة؟" سألهما ساخراً.
-" نعم، "الرادياتر" ساخن. نريد ماءً. نجد ماءً معك، من فضلك؟ "
فقال العجوز، "نعم، لكن لا ترفع الغطاء بيدك. خُذ هذا الشاش. "
-" شاش؟ ربَّما تحتاج اليه؟ "
-" لا، انني حكيم. لديَّ الكثير منه. "
" حكيم؟ اللعنة عليك أيها الحكيم، الكريم، العظيم، يا ابن الكلاب! "
-" نسيتما ان تتفقدا الماء، ها؟" سأل الحكيم نوح، "ام انكما تتلذَّذان بالسرعة؟ هه هه هه! بالمناسبة قبل ان تسكب الماء في الرادياتر، شغِّلْ المحرك اولاً. "
لكن نوحاً تجاهل اسئلة الحكيم ونصائحه. صعَّر خده له وهو يشعر بالقرف، بل وادار له ظهره.
-" هل فحصتما الزيت قبل السفر؟ "
تدارك مصطفى الموقف، وتذلَّل امام الحكيم شاكراً، وقال، "كلا، لم افحصه! "
وصرخ نوح مشمئزاً وهو يكاد يتقيأ، "هذا كله قرف! أن تُزيِّتها، أن تُشحمَّها، أن تضع السيخ الملطَّخ بالصدأ المقزِّز. لماذا طاوعتُك لأشتري سيارة؟ يا ربي!! "
قال الحكيم مخاطباً نوح، "ما بك يا صغيري؟ للسيارة فوائد كثيرة. "
فقاطعه مصطفى صارخاً، "مثل لذة السرعة! "
قهقه الحكيم وقال، "آه من طيش الشباب! طيب، تستطيعان أن تتدبَّرا أمركما. سلام! "
فسأله مصطفى، " يا حكيم، لم اتعرف عليك، ولا مؤاخذة. اتسمح؟ "
-" طبعاً، انا الدكتور بشير النوراني. "
-" وانا مصطفى الخفيف، وصديقي نوح العبد. "
نظر الطبيب الى نوح كأنَّه يعرفه. وبينما ذهب مصطفى ليُجرِّب السيارة اقترب الدكتور بشير من نوح، وسأله، "أنتَ ابن نوح العبد، تاجر الأراضي؟ سمعتُ عنه الكثير. "
-" نعم، لكن هل أنتَ متأكدٌ أنك الدكتور، الحكيم بشير؟ "
قهقه الطبيب ضحكة هازئة أخافت نوح، "هه هه هه! أتريد أن تشكِّكني بنفسي؟ الشك لا يُناسب عقل شاب مثلك! لكن، قل لي، قبل شهر ونصف كان من المفروض أن تأتي أنتَ ووالدك، ولم تحضرا؟ "
-" بلى، حضرنا. وكان في العيادة دكتور بشير آخر.. "
-" هه هه هه! تلك عيادتي الخاصة، وانا الحكيم الوحيد! ماذا تقول يا رجل؟ "
فقال نوح متلعثماً، "قابلناه هناك، مجعد الشعر، منفوش.. قا.. قال إِنني عا.. عاجز.. ولن اخلف! "
هزَّت الأرض ضحكة ساخرة مُدوية كأنَّها انبعثت من فوق الجبل الشاهق عند الغيوم، وتردَّد صداها من شفتي الحكيم العاقل، "هه هه هه! لم يكن ذلك الحكيم إلا سُلطان الأهبل.. هه هه.. آويتُه ليساعدني.. هه هه هه.. واعيله.. وهو.. وهو اتقن تمثيله عليكما.. أنتَ وأبيك.. وهل، هل صدقتماه؟" سأله الطبيب، فلم يقُل شيئاً من وقع المفاجأة الرهيبة. "اين كان الألم؟ عند المعدة؟ هنا؟ لا بُدَّ أنه مغص إثر وجبة كبيرة تناولتها.. لا تقلق. أنتَ سليم الصحة، وما زلتَ شاباً. حياتك حُلوة. العب، اعبث، ونصيحتي أن تتزوج! نهار سعيد.." ودَّعهما، وتردَّدت في الدنيا ضحكات ساخرة متتالية، لأول مرة بدت جميلة ومنبئة بالخير.
-" لو لم يُعطنا ماءً، لبقينا حتى أتى الظلام ونهشنا ببرده! قُل لي، ماذا قال لك الحكيم؟" سأل مصطفى.
-" لا شيء.. ما.. ما هذا؟ "
-" ألا تعرف أن تقرأ؟ إنها آية كريمة.. "ولا تنسَ نصيبك من الدنيا" صدق الله العظيم! "
-" لم أرها من قبل. "
-" لأنك كنتَ شارد الذهن!!" قال مصطفى بنبرة اتهام.
"وفجأة اكتشف أنني رجل. انبثق حياً من جديد. يا له من شعور! يقول حماي، "لن تعيش ابنتي مع إبن من لحمك ودمك!" لكنه كلب حقير. رجولتي ستقلع عينه! ستخرس كل العيون المتهمة! انا رجل. احسُّ بالرغبة تفور في جوانحي. آه كم أحس بالرغبة الآن! "أنتَ سليم.. ما زلتَ شاباً.. العب، اعبث، تزوج!" وإذا كان المرء متزوجاً، فماذا عليه أن يفعل؟ "إنها امرأة، ألا تريد ذلك يا بُني؟" .. نعم، أريد. ألستُ رجلاً؟ "
-" لا بُـدَّ يا نوح أنك سعيد بزواجك رغم مشاكلك!" قال مصطفى بحسرة وهو يسوق.
-" زواجي؟" تساءل نوح.
-" اعني، انتَ تعرف ما اعني. أي النوم مع امرأة! "
-" لا تهذِ، احسن لك! "
-" لا تتهرب من سؤالي. لا بُدَّ أنك سعيد. أنتَ لا تدري كم اتمنى أن يُزوِّجني أبي، لكنه يرفض، وحين يوافق يتزوجها هو، ويقول لي دوماً، "عليك بالشغل! حوِّشْ!" أتعرف يا نوح؟ اشعر كأنني مثل ذلك الحمار الذي يغريه صاحبه بخسة لذيذة يضعها امام رأسه، ويقول له، "هيا، تحرك، ساعطيك الخسة إذا قدرتَ أن تمسكها!" يبدو لي يا نوح أنني ساظل اشتغل حتى يذوي شبابي. لكن أبي يرفض أن يناولني أية خسة! وانا.. انا في الخامسة والثلاثين من عمري وتراودني افكار لا تتصورها!!! "
-" اعتقد أنني عشتُ هذه الافكار، ولم اشبع منها بعد!" قال نوح وهو مغمض العينين.
-" اعتقد أنك اسعد شاب في الدنيا. لا تضحك. اعني ما اقوله! "
قهقه نوح بهيستيريا، "وانا لا اعني أن اضحك.. هه هه.. "
فسأله مصطفى بحيرة، "ماذا تعني؟ "
-" إنني اسخر من قدري : اسعد شاب في دُنياي! "
"يغلي جسدي بحركات، تبدو عبثية، لكن آلامها لذيذة! تُنمنمني احاسيس حلوة تُخدِّر كلَّ خلية في جسدي. احسُّ أنني حقاً في صاروخ ينطلق بمحرك من الـتأوُّهات والأنين المتواصل، اصل الى فضاء اللانهاية. كلُّ شيء حولي اسود، مهتزٌّ، لذيذٌ. غباشة، غشاوة. ورغم أنني بين الفينة والاخرى انطلق فجأةً في اللانهاية لمئات الاميال خلال بضع ثوانٍ، تعتريني النغمة ذاتها، الغشاوة ذاتها، اللذة الحزينة النبوية ذاتها. قد اصل الى السماء السابعة، لكني ابقى على الارض، على تراب العاطفة الدافىء حيثُ انتمي! "
-" السيارة!" صرخ مصطفى فجأةً، "انظر، هناك سيارتك يا نوح!"
-" اين؟ "
-" تلك السيارة بُنية اللون!" قال مصطفى، اوقف سيارة أبيه، ترجل منها، وجذب نوحاً ووقفا امامها. "إنها فعلاً عروس!" قال مصطفى مندهشاً ومأخوذاً بجمالها. "أليست عروساً يا نوح؟ "
صاح فيهما رجل متأنق الهيئة، "عروس جميلة تستحق الاقتناء! هيا، لنكتب العقد! "
كتبوا العقد. عاد نوح ووقف امام السيارة الجديدة. إنها حديثة الطراز، لونها بني، وملمسها ناعم. آه من رشاقتها الجميلة! زجاجها الامامي روح شفافة، واسفل روحها الزجاجية نافورتان صغيرتان سمراوان، تعبث بهما يدان شهوانيتان وتتحركان يمنة ويساراً، فتنبعث منهما عطور وطيب. فتح نوح ابوابها، آه! آه من مقعدها المريح وفرشها الاحمر! وقف مشدوهاً. امتلكته الرغبة. ذلك الجلد الاحمر الناعم!! امسك دفة القيادة. شعر قبل ان يسوقها بلذة الركوب. يا للقلب الاحمر الدافىء!!
اقترب منه مصطفى وتنهَّد متحسِّراً، وقال، "هيا يا نوح، مفتاحك معك وليس صدئاً، هيا استعمله وتلذذ! "
سأله نوح وهو يشعر بالإثارة والاهتياج، "ما رأيك أن نتسابق حتى البلدة؟ أريد أن اتذوق طعم السرعة! "
-" تسابقني بعروس شابة تحلق في الغيوم، وانا بعجوز شمطاء لا تصعد فوق رصيف الشارع؟ "
-" حسناً، انطلق قبلي، وسأتبعك بعد دقائق! "
-" بعد نصف ساعة، حسناً؟ انا موافق!" وانطلق عائداً الى البلدة.
"اضع المفتاح في العروة الصغيرة. ترتعش "العروس" تحتي، تتلوَّى كغصن داعبه نسيم الليل. الوسيلة الوحيدة للشعور بلذة الركوب هي السرعة. وها انا قادم اليك يا دنياي! دُنياي! دُنياي انا وحدي!! اُسرعُ، اُسرعُ اكثر فاكثر، افقد الوعي. اصبح في عالم غريب حالم. تمضي على جانبي الاحلام بسرعة الضوء. أرى اضواءً والواناً باهتة، ممتزجة، ناراً، اشجاراً، تلالاً، سهولاً. امضي بلامبالاة. بين الحين والآخر ينقلب الأفق امامي الى اسوداد تام، الى هزَّات متتالية تُبعدني ملايين السنوات الضوئية في اللانهاية. و"العروس" ساكنة ساخنة بلا مبالاة. أن تكون في السادسة عشرة هو أن تكون، تكون ماذا؟ نعم، تكون رجلاً، فحلاً، نصلاً، تضجُّ بالحيوية، ليس كما قال مصطفى عن أبيه ذات مرة، "أرى أبي طبلاً كأنَّ الدنيا افرغته من محتواه، ويريدني أن اكون مثله!" أحسُّ بأنني اطير، واشعر بنشوة الفوز والرغبة.. "
عند الباب، باب بيته، تناهى الى سمعه صوت أبي فارس الأجشّ، ثم رآه وهو يمخط في محرمته، وقف امام نوح وقال، "ابنتي ساخنة! لديها حُمى مرتفعة منذ الظهيرة، وأنتَ السبب. الأفضل أن تتركها ترتاح! "
فصرخ نوح في حميه، "اُخرج من بيتي! إنها امرأتي، ولا ارغب بحم مثلك!" طرده من بيته، اغلق الباب، ودخل حالاً الى غرفة النوم. على السرير كانت "دُنياه" متمدِّدة. كانت النافذة مفتوحة، وريح العصر تُداعب الفستان الاحمر، فيهتز. نظر اليها. تأمَّلها. رأى علبة سجائر "PANADORA"، لا بُدَّ أنها لحميه. اشعل سيجارة، أخذ ينفث الدخان. جلس عند طرف السرير. اتكأ براحته على قدمها، ثم فجأةً أخذ الدخان ينتشر في ارجاء الغرفة على غير هُدى كشياطين انطلقت حُرةً من صندوق مغلق. كان الدخان الماردي يندفع من فمه كأنَّه نيران تنين أسطوري. عبقت الغرفة بغيمات الضباب الدخانية. أطلت النافذة على دُنيا واسعة الأرجاء. اهتز الفستان الاحمر. لم يستطع الدخان ان يبقى ساكناً، فاندفع. القى نظرة على السيارة. كانت ساكنة ساخنة. اندفع نحوها. "إِنَّها ساخنة منذ الظهيرة!" وضع المفتاح غير الصَديء في العُروة. لم تشتغل. اهتز الفستان الاحمر. اهتاج الثور. دفع المفتاح اكثر. ثم.. ثم اشتغلت، اشتعلت. مضى بها كالصاروخ الى الآفاق الخيالية بسرعة اهتزازات الضوء. اختفى مع الدخان في الاسوداد، رامياً عن كاهله عبء الصخرة التي كانت ترزح فوق ظهره، او على الأقل مستمتعاً بثقلها اللذيذ.
"كنتُ في السادسة عشرة من عمري. أردتُ أن اعبث. تهتُ في اللهو في دُنى كثيرة. جرَّبتُ انواعاً كثيرة من السيارات. لم أدرِ في يوم من الأيام ماذا يخبئ الدهر لي. أما أملي الضعيف فأتى لي، انا النوح الكبير، كما أتى لأبي، بعد خمس وخمسين سنة! "
المراجع
syrianstory.com
التصانيف
الادب الآداب