يتدفق القمر من وراء الرابية البعيدة ويدخل عبّ الشجر ، يتسلق سيقان النخيل والمدى العالي ، يتسلل في نغم الحروف الطالعة من نسيج الحناجر ، يمتد من رءوس الناس إلى أقدامهم فتتضح معالمهم ، يظنون أنهم وحوش كاسرة ، أسود مفترسة ، كلاب لها نباح يخرج بقسوة من بين الأنياب ، يكتشفون أنهم مجرد نمل يسير في طابور نحو ثقب في الأرض هنا أو هناك ، فلا يلتفت إليهم أحد ، ولا تثير طوابيرهم أدنى اكتراث .
تصبح الجمادات تحت ومضة الضوء بناطيلاً وقمصانًا ، فساتينًا وقبعات ، أجسادًا من قلق تهتز في اللمعان بشجن فاضح ، تشارك في الفعل .
ـ ترى ، هل يحدث هذا بقرار عقلي من جماد ؟
فاه آخر يكاد يغفو عند الحديث :
ـ النور للجهات العالية ، يلامس أعالي السنابل والسطوح والأشياء .
ـ إنه لا يتسرّب إلى الداخل المغلق .
ـ من منا يراقب ما يجري ؟ ازدحمت المساحات والشخوص والجمادات.
ـ وهل تملك مراقبة الأشياء بحيادية ؟ إذن اعزلها أو انفخ نارًا في الوجدان .
ـ تتشابك جدران الزينة ، يستمرّ الاشتباك الدائم بين مطالع النور ومغارب الظلام .
ـ والاشتباك الدائم بين آدم والجنة ؟
ـ وبين الأبعاد الستة تصطدم حواجز الظلال ، ولا تطمس ألوان الجمال مهما استبدت .
ـ لكن بنايات التوهج تطمس الألوان القاتمة .. تعمي البصيرة .
ـ البحر في الغرب اتساع يعوضنا ضيق الجهات ويمد حبال المدى فلا نلتقي مع الأفق ..
ـ والشمال امتداد لا بأس به .. لكنه امتداد في الذاكرة وحسب .
ـ امتداد يبعث في النفس الانقباض .
ـ بل امتداد مستدير يبدأ ولا ينتهي .
ـ لأنهم سيّجوه بالأرقام والأوراق والمواعيد .
ـ حشروه ..
ـ إذا كان هذا حشر الجمادات فكيف حشر الأحياء ؟!
ـ يطلع الله الجميل عليهم بطلعته النورانية ويقول : " أين الملوك .. أنا الملك اليوم ".
يتملص ملح البحر من مائه ، يصبح البحر ماء فراتًا ، والملح أكوام يحفظ فيها فضاءات الأحلام حتى تحين لحظتها ، لو كل متأمل صارع تأمله لوقف الوقت على رءوس الجميع ، ولكان اتساع الحلم باتساع البحر ، وتفلت الروح بهيجان الموج .. لكنّ هذا آوان سقوط الظل ، ووحشة الصمت ، واستدارة القلق ..
يتطلّع حوله ، يتأمل مذاق الملح ، وأكوام الماء العذب ، يشاهد القمر يأتي حاسرًا من وراء الرابية ، لا يستطيع تغيير المذاق ، الناس يزدحمون في تراص عجيب ، يغرفون الماء العذب بأيديهم ، وحين يصل أفواههم ، يقطر ملحًا .
يعود إلى مُتأمّله :
ـ هل سقط الظل حقيقة ؟!
ـ كلا .. الذي سقط نور القمر ، فأصبحت الظلال بيضاء ووجه القمر صار أسودًا ..
ـ يا لطيف .
ـ ووحشة الانقباض تتقلص وتغدو مساحة من الهدوء الثقيل .
ـ ولماذا في هذا الوقت بالذات جئت تُذَكّر ؟!
ـ لأن الصراع والقمر مستديران .
ـ والأحلام والأرغفة أيضًا مستديرة .
ـ ونحن نأتي من استدارة الأماكن ونغيب .
ـ ومساحة الفرح .
ـ من الشمال إلى الجنوب .. المنطقة ضيّقة والحلم يتّسع .
ـ ومسرح المقبرة ؟
ـ مكان متكرر للتأبين .
ـ تستدير الحدقة وتبكي .
ـ بل الدائرة الزمنية تهذي .
ـ والقلب غرفة من ورق النشاف يمتص الجرح ويمضي .
ـ يمضي إلى بحر بلا موج .. ويسكن أجسادًا بلا شهوة .
ـ القلب جماد والبحر جماد .
ـ جمادان وفيهما ساكن ومتحرك .
يتطلّع إلى متأمله ، يفتش عنه بعينين ثاقبتين ، يتحسس الأركان بيديه، لا يلامس حرارة يد ، ولا صلابة كتف ، ولا ليونة فخذ ، يصمت قليلاً ، ينهض في استرخاء بالغ ، يدفع قدميه إلى ركن المكان ، يتمتم بكلام لا يسمعه أحد ، ولا يثير رضا أحد ، ولا سخط أحد ، كلام ، كأيّ كلام ، لا يُوقف الزمن ، ولا يبعث الروح في المكان ، يسير قليلاً يتأمل ساقيه ، يقذف الهواء بقدمه ، يصطدم الهواء بالباب ، يهتز القفل ، يسقط المفتاح ، ينفتح الباب .. تهجم عواصف شتى تعيد ترتيب الأشياء في أماكنها . يهتف :
ـ لماذا يكون المستحيل سيد المكان والزمان ؟
الفاه الآخر يطلع ثانية :
ـ إذا كان الأمر كذلك اشتم رائحة السكون .
ردّ عليه بغضب :
ـ بل حركة .. لهاث .. عدوٌ .. وانفلات موج .
ـ وتسمع تداخل الأصوات !!
ـ وانثناء النخل ، واحديداب القمر ، واصفرار ما بعد العصر ..
ـ احديداب القمر !! هذا شئ من قدرات الإله .
صمتت الأصوات ، خشعت في سكينة ووقار ، ثمّ لم تستطع كل الجدران أن تمنع وصول صخب البحر وانفلات الموج ممزوجان بزامور طويل عبر الشارع .
من مجموعة انفلات الموج
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب