كنت تحدثني دائماً عن طفولتك التي قضيتها في قريتكم قبل الرحيل ، وكنت تحدثني عن والدك الذي واجه الدبابة أيام الانتداب فصرعته الطلقات ، وتطهر الحديد بالدم القاني ..
حكاية مشوقة حكيتها كثيراً ، لم أكن أمل منها ، كبرنا معاً في المخيم ، وأنهينا دراستنا معاً ، وجاء الحرب فانهزمنا معاً . دخت أنا بين الكتب ، والإذاعات ، والشوارع ، والصحف ، أبحث عن أسباب هزيمتنا .. وأنت أدمنت الهروب ، حدثتني عن أمنيتك بأن تصبح جلاداً لتقطع يد السارق ، قلت لك يومها عندما تقطع يد السارق لا تكون جلاداً فأسأت فهمي ، قلت لك إني لا أحبذ صداقة الجلادين ، كدت تقطع علاقتك بي .. ثم ندمت أنت . وشغلك جمع المال ففضلت
أن تغادرنا إلى الكويت ، في رسائلك الكثيرة لا تنفك تكتب لي عن اللون الأحمر ، اللون الأحمر الذي تتحدث عنه ليس هو اللون المسكوب من جسد والدك ، لم يكن لون الطماطم شبه الفائتة التي نأكلها أيام الطوق . اللون الأحمر الذي تتحدث عنه يختلف تماماً . ألم تقل أنك تصيّف على شواطئ بيروت والإسكندرية ؟! ترى ما أحوال الصيف على شواطئ بيروت الآن؟
لا شك أنّه صيف بارود ودخان وموت .. دعني أحكي لك هذه الحكاية عن اللون الأحمر ، فأنا أعمل ممرضاً في مستشفى " الشفاء " في غزة ، وكنت أود لو قدمت لزيارتنا هذا الصيف لتشاهد بعينيك كيف نعيش .. إني أحترمك منذ اليوم الذي تعرضت أنا وأنت فيه للاعتقال والضرب قبل حزيران ، لأننا تظاهرنا أمام رئاسة مركز الإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ، يومها حرقنا علم الأمم المتحدة واستبدلناه بعلمنا . اشتعل المتظاهرون حماساً فصاروا يهتفون بحدة وآذانهم صارت حمراء .. والآذان الحمراء ذكرتني بالحكاية ..
" انفجار . بوق سيارة إسعاف يلعلع في شؤم .. انتفض مركز الاستقبال . هرع الممرضون ينزلون المصاب . رأيت بسرعة الوجه الذي يسحّ فوقه الدم وقد اختفت ملامحه . عربة عسكرية توقفت بجوار عربة الإسعاف . اضطرني أحد الجنود للانتقال معه إلى حجرة الأطباء ؟ مرّ وقت حتى عدنا . تركته واتجهت إلى الحجرة رقم (3) حيث نقل الجريح فوجدتها محاصرة ، وحين دخلتها لاحظت أنها أخليت من المرضى ، ثمة سرير واحد استلقى عليه المصاب النحيف الذي لا يكاد يشغل حيزاً عليه ، وقد تحول وجهه المدمي إلى كرة من القطن ، ثقبت اللفائف أمام طاقتي الأنف والفم ، مجموعة من الأنابيب تنقل الدم والسوائل .. الجنود ينتشرون في أنحاء الحجرة ، شاهرين بنادقهم الآلية .. لم ينبس أحد بحرف ، أنظارهم نحو المدخل . ساد هرج بين نزلاء المستشفى ، تساءلوا .. ماذا حدث في الحجرة رقم (3) ؟! ازدحام غير عادي . جنود . ممرضات . أطباء . رجال تحقيق في الحجرة اهتموا بالمصاب فوق الحدود ، كانوا يتحدثون بعصبية ، أنبوب آخر للبول استقرّ تحت السرير ، بدأت قطرات البول تتجمع ، والدم يسحل عبر خرطوم في الشريان .. صدره يعلو ويهبط . المصاب متكوم يكاد يكون نصف إنسان . بعض الأوراق في يد أحدهم . شاهدت بطاقة هويته . كتبوا محمود خير الدين من مخيم …
ـ ادفع العربة بعيداً .
أمرّ الطبيب . دفعت العربة وخرجت ، رائحة الأدوية امتزجت بالدم ، بالبول ، بالجلوكوز ، بالقرف ، بكل الموبقات . المرضى يتهامسون عن خرق حرمة المستشفى ، وعن المصاب ورحلة العذاب عبر الفوهات المبحلقة في المداخل والنوافذ . وحين عدت كان عليّ أن أعتني بالجريح ، بدأ البعض بالخروج ما عدا الفوهات المنصوبة ، وخطوات الحراس تتثاقل .
رأسه كرة قطن تنفش وتنكمش ، تضغط على عنقي كحد الخنجر ، تدور في أنفي كل الروائح ، تطالعني كل أعمدة الصحف ونشرات الأخبار ، أبحثُ عن محمود خير الدين .. وظلت الكرة الثلجية تتشقق وتنفجر في ذاكرتي ، أصحو وأفيق ، أفيق وأصحو ، يبدو أن هذا رجل خطير . بل يكفي أن يكون رجلاً . تطلعت إلى أعلى خرطوم الدم ، قطرة دم تسحل ، اصطدمت عيناي في ذات اللحظة بقطرة بول تنحدر .. البول . الدم . النتن . العفن . الدود . الفناء . التلاشي . كل الأشياء امتزجت بالدم العطر الحياة .
لا بدّ أن محمود خير الدين غادر غزة إلى القاهرة إلى ميناء السويس ، إلى ميناء جدة ثم الدمام ، بحث عن اللقمة . وجدها في عين الشمس . حاول أن يصعد إليها مرات . فشل كثيراً . فامتهن الحلاقة . صار يجوب الشوارع ويصيد لقمته عنوة . احتجزته الشرطة ذات مساء بعد أن شاهدته ولم يكمل حلاقة رأس بين يديه في حارة شعبية فقيرة ، تم ترحيله إلى جدة ، فالسويس ، فالقاهرة ، فالقنطرة ، حتى المخيم ، بطاقة الإعاشة هي المورد ، تضخم في داخله الحقد على الأسلاك ، والحدود ، والتصاريح ، وجوازات السفر ، والثكنات المملوءة بالكلام ، والزعامات الورقية ، فجلس يحثو على رأسه الأحزان حتى ضُربت المطارات ، والقطارات ، والمدن ، وتوقفت السفن عن الإبحار في قناة السويس .
كان حزيران . وكبر الأولاد ممزوجين بالألم والجوع والمهانة ، رجموا حجارة ذات مرّة على عربة عسكريّة ، تصاعدت أصوات رشقات ، وقع الولد سابحاً في بركة من الدم . مات . والفرح في قلب محمود خير الدين اجتثّ . واستلقت الكائنات على رءوسها .. ثم اهتزت انفجارات . دم . حرائق . ليل . رجال . معدات . موت . جراح . طوق . حب . وظل ينتظر الإعاشة كل شهر وبيده البطاقة . مرات كثيرة تسلّمها تحت وقع الخوف والنيران . نام شوال الطحين فوقه ذات مرة وهو يسرع خوفاً فتحطمت ساقه ، شهور مرت حتى التأم الكسر ، وتدفق العمال إلى الداخل تحت فشل صناديق الدعم في مؤتمرات الطعام والولائم . وتحرك محمود خير الدين يبحث عن اللقمة في الداخل . مرّت عليه سنوات . لا يمرّ شهر بلا عراك حتى كان يوم تسلّم فيه ورقة الفصل ، توجّع . تفجّمت الآمال في صدره ، انخذل ، انسحق ، كبر الحقد ، ودم ابنه مسفوح على الطرقات ، وساقه المحطمة ، نقاط العبور ، هويتك ، التفتيش ، أنت ممنوع من العبور ، كل من هم أمثالك ممنوعون ، ارفع يديك ، أدر ظهرك ، اركض ، اركض ، اركض .
في سوق فِراس في غزة يغني الباعة . وتمتزج روائح السمك ، القماش ، الحديد الصدئ ، الطماطم العفنة ، الفئران المسحوقة ، عرق السوس ، الليمون ، وتحتك النساء بالرجال بالعربات بالروائح بالضجة ، وتتمزق كل الأغلفة الفوقية .. رشح العرق . ارتفعت يده تجفف الرشح بكم قميصه . دفع عربة الخضروات إلى جوار طابور العربات والبسطات . باع قليلاً ، وعرق كثيراً ، لعن الجوع ، وحشى جيوبه بقذارة يديه . نظراته تمشط الشارع الممتد شرقاً وغرباً ، عيون متحفزة ، ضغط ضغط ضغط ، صدره لا يحتمل فوران الأشياء . يضيّق . يضيّق . عربة الخضروات صارت مخزناً متنقلاً . في الدّرج السّفلي كان الموت . يكفي بحركة أن تتمزق الموجودات . كركعة عربة عسكرية قادمة . حرك أصابعه . عرق . لهث . اصفرّ . احمرّ . تحفزّ . الترحيل . شرطة الحدود . البطاقة ، الليل ، القرميد ، أوراق الفصل ، أنت ممنوع من العبور ، اركض . اركض . اركض . انفجار هزّ أركان عربات الخضروات والبسطات وعربات الكارو . إطلاق كثيف ثم توقفت كركعة العربة . محمود خير الدين ملقى على الأرض ينزف منه الدم بغزارة . انحشر الخلق في الأزقة والحارات . محمود خير الدين يرى العالم هياكل ودوائر ، واللون الأحمر يسحّ ، وبوق سيارة إسعاف يلعلع في شؤم ".
لماذا هزأت من رسالتي السابقة التي حدثتك فيها عن إصابة محمود خير الدين ؟ لا تنسى أنه احتضن الانفجار . أما أنت فربما كنت في تلك اللحظة تحتضن لفافة الفواكه واللحم عائداً إلى بيتك . وتقول إنّ الموت أيضاً عندكم !! أهو بحجم الموت عندنا ؟! كيف يموت الناس عندكم !! لا بدّ أنها حوادث العربات الفارهة من الموديلات الأمريكية باهظة الثمن ؟! أو الأغنياء الذين يموتون من التخمة ، بينما الفقراء يموتون على طرقات وأرصفة العاصمة جوعاً وفقراً وحزناً .. لا عليك من كل هذا ، سأحدثك بما سيجعلك تندم أشدّ الندم على أنك هزأت من موت محمود خير الدين ، والتي قلت عنها حادثة عادية ، فقد اكتشفتُ أنّ تفاصيلاً كثيرة من تلك التي حدثتك عنها لم تدر إلا في خيالي فقط ؛ لأنني أحببت محمود خير الدين الرجل الذي صنعه خيالي . ليس في الأمر لغز . فحينما أُزيح القطن عن الوجه الذي أخذ بعد أيام يصارع الموت في لحظاته الأخيرة صُعقت ، لم أشاهد أمامي عذابات رجل في الأربعين من عمره كما صوره خيالي قبل إزاحة القطن ، إذ أني شاهدت وجه صبي لا يزيد على الخامسة عشرة .
" ممنوع التجول . تصاعد الأمر العسكري في مكبر الصوت . الذين يمتلكون بطاقات هويّة بدأوا في الخروج . ساحة المدرسة اكتظت بالرجال . الصبي كان يجلس على عتبة باب الدار وهو يتفحّص ورقة نجاحه ، تفاجأ بانفجار وطلقات قريبة . اختبأ الناس في بيوتهم . لم يستطع الصبي تحديد حجم ما يدور ، صوت الطلقات متنوع وكثيف وهو لا يزال يراقب الشارع بحذر ، وظل واقفاً حتى تحوّل الشارع إلى قطعة من الصمت . توقف الإطلاق . سمع أصوات عربات تـقترب فأغلق الباب ، داروا في الحارة ، فتشوا كل شئ حتى أوعية الزيت والزيتون وصناديق القمامة . اصطدمت أنظار الصبي وهو يقف في باحة الدار بمن يقفز إلى الداخل ، الملثم بدأ يبحث عن مكان ليختبئ . اختبأ . دخلوا البيت ، لم يكتشفوه . وفي المساء عاد الرجال من ساحة المدرسة فخرج من مخبئه ، وسار خلف الصبي . عبر به الشوارع والأزقة وعاد بعد أن عرف مكان الرجال . صار ينقل إليهم الطعام والأخبار وأشياء أخرى تحت الطعام .
في يوم وهو ذاهب للمخبأ توقف . شم رائحة غريب ، احتمى بجدار قريب وبدأ يتلصص في حذر . شاهد أبو عبده . تحسّب الصبي . استنشق هواءً نقياً . عبّأ صدره ، وتريّث . مرت لحظات خانقة اختفى بعدها أبو عبده . سرى الشّك في نفس الصبي فتحرك من مكمنه ، انفلت كالبرق يتخطى الأزقة الباقية ، في المظاهرة الأخيرة رفع أبو عبده صوته على بعض المتظاهرين ليبتعدوا عن باب مقهاه . يومها ثار الناس في وجهه ، ولولا أن صمت لحطموا رأسه " هل شاهدني وأنا أذهب إليهم ؟ هل خمّن ما أحمله ؟ " .. التصقت الكلمات في حلق الصبي .. لزجة كريهة .. العرق بدأ ينز من مسام جلده . عبقت الأجواء برائحة فاسدة . حاول الصبي أن يأخذ نفساً عميقاً نقياً فلم يستطع . تحفز وغاب وراء أول جدار . انطلق يعدو ، انقطع نفسه . لهث . عرق . تعثر " هل يبلغهم أبو عبده بأنه اكتشف مخبأ وأنّ به .. " ازداد في العدو وبريق يلمع في عينيه ، نزلت دموعه وهو يسابق اللحظات ، الطريق امتدت آلاف الأميال .. عليه أن يصل قبل العجلات المطاطية .. قبل انقضاض الرصاص والموت .. هل بدأوا يتحركون ؟ والشباب هل انتهوا من تناول الطعام ؟ أبو علي هو الذين ينتهي أولاً .. إنه يأكل كل شئ حتى الموت " . يزفر من أعماقه ، المسافات تتراجع ، الليل يدبّ بتثاقل ، حراب الظلمة سدت منافذ الرؤيا .. ارتمى على باب المخبأ وهتف بصوت متحشرج " اخرجوا .. اخرجوا بسرعة " وما كادوا يخرجون إليه حتى رأوه مستلقياً ينز عرقاً ولهاثاً من كل بدنه ، تنطق ملامحه سعادة لأنه وصل مبكراً . حذرهم . تقافزوا بين أركان المخبأ . لملموا ما استطاعوا من الأشياء ، ساعدوه على الوقوف ..
ـ لا عليكم . اتركوني واذهبوا .
ـ وأنت ؟!
ـ لا تهتموا .. سأتجه شرقاً .
أبو علي كان آخر من غادر المكان . نظر في الظلمة مرات بعمق . ارتاح ، ذهبوا جميعاً . بفرح هتف " غدا سأبصق في وجه أبو عبده أو سأكتفي بابتسامة هازئة .. سأغيظه ، وأمشي أمام المقهى مرات .. سيقول انصرف من هنا .. سأقول له لن أنصرف ، ثم أبصق في وجهه . لا . لا يضربني لو فعلتها .. سأكتفي بالبصق أمامه " .
بدأ التحرك بعيداً . سمع ضجيجاً .. " أتوا " .. همّ بالانطلاق شرقاً فلم يجد منفذاً ، صوت صادر من الشرق ، من الغرب ، من هنا ، من هناك .. ماذا أفعل ؟! سأنطلق .. لا سأعود للمخبأ " . رصاص ، مفرقعات بين الجدران تصم الآذان . تراجع الصبي وحراب مسمومة تخزه ، هبط إلى المخبأ . ضوء الفانوس لا زال يشع ، الدوّي لا ينقطع ، المظروف الذي أتى به عند الظهيرة لا يزال على الأرض ، بقايا طعام ، صعد حاملاً المظروف .. أخرج ما فيه وبدأ يحاول اختراق الحصار .. " الطلقات اقتربت .. هدأت ، مكبر الصوت يدعو للاستسلام . هذا لن يحدث .. ترحم عليّ يا أبو علي " الإطلاق يزداد . انفجار شديد قرب المدخل .. انتتر من مكانه بشدة .. تصدّع المخبأ . انهار بعضه . قفز إلى الأمام وبدأ يقذف " محاصر أنا .. ماذا سيقولون عندما يكتشفوني " الأضواء المنبعثة من الطلقات والانفجارات لونت الوجه الصبياني . صوت حاد . انفجر جسده ، ارتطمت إحدى ساقيه بجدار قريب . تدفق الدم . امتدت يده تتحسس قدمه الثانية . لم يجدها . لم يدرِ شيئاً . انفلت الدم ضاعت الأصوات . أطلت ملامح الأشياء من ثقوب ذاكرته .. ضاع في غيبوبة .. أبو علي يركض نحوه .. يركض . يركض .. يركض . صمت . دم . دخلوا المخبأ . الأنوار الكاشفة سطعت فوق النزف . ما عثروا على غيره . نقلوه .. بوق سيارة إسعاف يلعلع في شؤم ."
الجسد فوق السرير . الرأس مغطاة بالقطن . خرطوم دقيق يمرّ في إحدى طاقتي الأنف ، الإبرة المدببة لا زالت تقطر الدم في الشريان ، فتح أحدهم أوراقا في يده . سأل كثيرًا ، لم يتلق إجابة . اغتاظ بسرعة لأنه لا يرى حتى عينين ينظر إليهما . كان أمامه نصف جسد مغطى . وخراطيم بول ودم وجلوكوز . حمل أوراقه وخرج ساخطاً . آخر مرة حضر فيها كان الأطباء حول السرير . تشنّج الفم ، انفتح مرات وانغلق ، تدفق من فمه سائل كريه فوق الغطاء الأبيض ، ثم تدفق الدم ورديّا من طاقتي أنفه وفمه بشدة ، تقلصت أصابعه وانضغطت ، ثم فتح فمه لآخر مرة ، شهق ، ومات.
قطرات البول ظلت تسحل في الوعاء البلاستيكي الشفاف ، زقزقة عصافير تعالت قرب النافذة المطلة على الحديقة . دفعتُ العربة بالجثة المصرورة بثياب بيضاء عبر الممر ، بقعة دم كانت تفشي في الثوب الأبيض .. وكنت أتصورك وأنت تحاول دفع العربة معي عبر الممر الطويل .
من مجموعة الدوائر برتقالية