فتح الفجر فمه بعمق وبدأ يلتهم الظلام .  لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تلــــــدغ نداءات الباعة ، وأبواق العربات أسماعي ، فأصحو . أفتح فمي وأتثاءب ، أسحب نفسًا عميقًا رطبًا ،  فأذان الفجر انتهى للتو .  تقلبت في فراشي تقلُب البذور في المحمص السّاخن، فرقعت  أفكاري.    وثبتُ من فراشي كمن تذكر موعداً تأخر عنه ، وتهيأت للنزول إلى الشارع، ظللت أبحث عن حذائي ، ارتديت ثيابي  وأنا مستمر بالبحث، لم يكن الأمر بالسهولة التي تصورتها للوهلة الأولى .
النافذة تُدخل إليّ نسمات رطبة ، وفيما يبدو تذكرت أني نسيت أن أغلقها قبل أن أنام ، قضم الظلام جزءاً منها، في حين بدأ  الفجر يقضم الجزء الآخر.  تلوّت أساريري في غير رضى ، وأنظاري لا زالت تتابع عن كثب البحث عن الحذاء.
-  بكم الحذاء أيها الرجل ؟
-  أيُّ حذاء تقصد  ؟!
      المرة الأولى التي أشتري فيها حذاءً وأساوم البائع على ثمنه حتى استشاط غضباً مني ، ورأى أن ما أفعله مشين ، قرأت ذلك في عينيه، لكنه لم يجرؤ على  التفوه  بحرف ، حاجته للبيع أقوى من رغبته بطردي، والحذاء الذي أشرت إليه خلف زجاج العرض يُخرج لسانه استهزاءً بي .  لم أر في حياتي مثل هذا الحذاء السافل.
        تناولته من يد البائع الذي دعك بكمه بوز الحذاء .  لمع وتدلى لسانه أكثر .   ترُى أيسخر مني هذا اللسان ؟!  أقصد هذا الحذاء ؟!  بعد قليل عندما أضعه في قدميّ سأدوسه على الأسفلت، وأعلمه أنَّ الاستهزاء لا يكون  في كل وقت .   المهم الفكرة ، لكن من يجد الفكرة الآن؟  في هذا الضباب الذي يلفع الأشياء ويتمرجح فوق رؤوس العباد، ويبلل صلعاتهم وأصول شعرهم كيف ستـنطلق الفكرة؟!   كيف ستـتوقد وتـنبلج ؟
 اللسان المتدلي المستهزئ خاطبني ، أصرّ عليّ  أن أصطحبه معي مهما كلفني الثمن .  قلت أخاطبه:
-  كيف احتالوا عليك فوضعوا في رقبتك الرّباط ؟!
    قال ساخراً:
-  أُُخرج من رأسي .  ولا تكترث.
-  الشيطان يطلب منا أن نكترث بل ويضخّم لنا أحلامنا.
-  أنا لست شيطاناً .. انظر.
   تدلى لسانه أكثر وأنا أعابثه بيديّ و أُقلبه.
-  لا تقلّب أحشائي أيها المغفل  ، ولا يغرك ما تشاهد، فاللسان لسان والحذاء حذاء.
-  وما علاقة الإثـنـين ؟! أقصد ما علاقتك بالحذاء؟
-  تقصد ما علاقتي باللسان.
-  سيان .. الأمر عندي سيان ..حذاء بلسان.
-  لا .. لسان بحذاء.
-  لا تغظني أكثر.
-  ادفع .. وبعدها أُحدثك.
        دفعت الثمن .  نصف النافذة قرضها الليل ، ونصفها الآخر بدأ يقرضها فجر يفتح فمه عميقاً  فلا تظهر به أضراس.. وله أنيابٌ يدميها القضم فتصبحُ  أشدّ مضاء، فتنفذ في اللحم والحديد، يزحف الفجر على الناس ، يرتدون ملابسهم وأحذيتهم، يمشون وتـتدلى ألسنتهم .بحثي عن حذائي مستمر ، تعبت من البحث ، فكرة البحث مضنية .
أكملت ارتداء ملابسي إلا الحذاء ، رحت أزأر ، أعوي، أنبح، أموء ، وبعض الأحيان أتكلم.  لكني مع ذلك فشلت ، قديما قالوا " المثابرة تغلب الذكاء" وأنا أقول  " الحذاء يغلب كل شيء".    من منا يذهب للقبر بحذائه ؟!   يقيناً لا أحد.  من يدهمه الموت أو القتل يفارقه حذاؤه .. أيها الحذاء اللعين ، لا أحد يضع ميتا بحذائه في القبر ، قد يكون الأولى أن مسكينا آخر ينتفع بالحذاء.    نقدت البائع الثمن ، فوضع الحذاء داخل علبة ، والعلبة داخل لفافة ، قلت ما إن أصل البيت حتى أجده مختـنقا ويكون لسانه قد تدلى أكثر .  ليتأدب .  فالأدب في عصر القضم والأنياب  هو  السوط الذي يجلد  صاحبه.
        الحذاء يصرّ  على إهدار كرامتي المرة تلو المرة ، وأنا أنحني بين الحين و الحين أهندم اللسان ، وأفتل الرّباط، أخنق أكثر حول العنق فيتدلى اللسان أكثر ، وفي كلّ مرّة يتملّص الحذاء مني ، فما أن أجده حتى أصل موعدي متأخراً ... ترى ما الفرق بين اللسان  والحذاء ؟  لا أدري فبين اللسان والحذاء  ربّاط .  في هذا الفجر الذي لم يعد فجراً ، وفي هذا الوقت الذي  لم يعد باكراً، وقفت الشمس بشكل عابس  لا تغادر مكانها .    أكملت ارتداء ملابسي وتعبت من البحث عن الحذاء، من جوف النافذة أطلت الشمس الشموص الحرون  وتوقفت .   طيف اللسان والرّباط والحذاء ينضم إلى القافلة ، وفي كل مرة أعثر عليه أضربه في الجدار مؤنبا ، فيهتف بي ساخطاً:
-  لا تضرب الأفكار ببعضها .
-  لماذا تقول ذلك  ؟!
-  أستحيي من الشارع .  وأستحيي من نفسي .
-  أنت ؟!  وما شأنك بالشارع ؟!
-  هل رأيت يداً دون حذاء ، رأساً دون حذاء ، كرشاً دون حذاء؟!
-   ماذا تعني ؟
-  عندما تدخل في الحذاء ما الفرق بينك وبين غيرك ؟ بينك وبين أي شيء ؟
-  أنا أعرف كيف يمكن أن تسترد أدبك .
-  أنت لا تعرف شيئاً.
-  بل أعرف .   سآخذك إلى الصرماتي  ليخيط  لسانك أو يحزه بسكين الجلود ويرمي به إلى القمامة.
        حين تعلقت الشمس في جوف النافذة ، وتدلى اللسان والرباط والحذاء ، تذكرت جمجمة الإنسان قبل أن ينخرها الدود، وهي معبأة بطابور الأفكار فعرفت أين يقع اللسان والرّباط   وعلاقتهما  بالحذاء .
     استمرّ بحثي عن الحذاء دون جدوى ،  قلت هذا يوم نحس  وشؤم ، يوشك الحذاء أن يصبح شمساً والشمس حذاء، لكنّ  النور  يفضح الأشياء .  ترى كم دفعت ثمناً  فيه؟   لا أتذكر .. سلقـتـني الشمس التي ضربت وجهي من النافذة ، زجاج صندوق العرض كان لامعاً .. كل الأشياء تبدو للوهلة الأولى لامعة .. ويصرّ الحذاء أن يفلقني ، وأصرّ أن ألقنه درساً .. لن أربطه هذه المرة ، سأدعه يتدلى كما يشاء  ..ويهزأ كما يشاء.. فالطريق الطويل سيقطع نَفَسه ويخرسه..
-  أيها السيد .. أيها السيد.
   التفتُ:
-  ماذا تريد أيها الفتى ؟
-  الحذاء يا سيدي .
-  الحذاء !!
-  دفعت ثمنه ولم تحمله .
-   آ ...
-  نعم يا سيدي .. هاك ..
   امتدت يده باللفافة .
-  آه .. شكراً .. شكراً أيها الفتى الطيب .
-  يبدو أنك مهموم لدرجة أنك نسيته .
-  آ .. شكرا يا ولدي .
-  شكراً و لا  شيء غير ذلك ؟!
-  بلى .  خذ .  اقضم هذه الورقة المالية .
-  لك قلبٌ كبير وفكر مشغول .
        -  ربما .  ربما يا ولدي .
         قبض على الورقة المالية بفرح .  استدار، وعلى عجل حاول عبور الشارع فضربته عربة مسرعة..  فصرعته على الفور.  قلـــــت :
-  كان ولداً طيبًا حقاً .  لماذا لم ينتبه ؟!
        تعلقت عيناي بقدميه . كان لسان حذائه يتدلى ساخراً ، وقد انفلت الربًاط  .   وعندما وجدت حذائي بعد طول بحث كان الوقت قد تأخر كالعادة ،  ولم  يكن حاجة لمزيد من الكلام فهبطت درجات السّلم على عجل .
من مجموعة البحث إيقاع مستمر
 
 

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب