حظيت البترا مؤخرا بإضافة نوعية في غاية الأهمية تعزز مدى تطور وروعة الحضارة النبطية من خلال قيام فريق من علماء الآثار البريطانيين وبالتعاون مع جمعية المحافظة على البترا بالانتهاء من عملية تنظيف وحماية رسومات جدارية تعود إلى حوالي ألفي عام تم رسمها من قبل الأنباط في كهف يقع في السيق البارد في البيضاء ، وهو اكتشاف سوف يضيف الكثير إلى القيمة التاريخية والثقافية والحضارية للبترا ، ولمنطقة شرق الأردن بشكل عام.
علماء الآثار البريطانيون ، وفي تصريح إلى صحيفة الأوبزرفر البريطانية قبل يومين أكدوا بأن دقة وجمال هذه الرسومات يتفوق على مثيلاتها من الرسومات من العصر الهلنستي الروماني ، وأنها تشكل مثالا فريدا على مدى تطور الفن في الحضارات القديمة. والأهم من ذلك أن هذه الرسومات هي الأكثر اكتمالا بين كافة الرسومات التي تعود إلى العصر الهلنستي وهذا ما يجعلها متميزة على مستوى عالمي. التقرير المنشور أيضا في الموقع الإلكتروني لصحيفة الغارديان التي تعتبر أهم الصحف العالمية على الإنترنت حظى بنصيب الأسد من الزيارات والقراءات واحتل طليعة الصفحات المقروءة منذ نشر المقال حتى اليوم مما يعتبر انجازا ترويجيا كبيرا.
وما يميز هذه الرسومات هو الدقة العالية في الألوان والتفاصيل والتي تعتبر غائبة عن كافة الرسومات التي تركها الإنسان القديم في عدة كهوف في أرجاء العالم ، فلا تزال أنواع وتفاصيل أوراق النباتات الموجودة في الرسمة التي تمثل راعيا يقوم بالعزف على مزمار توضح نوعية البيئة المحيطة كما توجد رسومات واضحة للطيور وعناقيد العنب التي تدل على اهتمام بديونيسيوس آلهة النبيذ لدى الإغريق وتدل على مستوى عال جدا من الإحساس الفني لدى الرسام ـ الرسامين ، وهذه نتيجة تستحق الشكر لجهد استمر ثلاث سنوات في تنظيف الرسومات وإظهارها بهذا الشكل المتألق.
اكتشاف هذه الرسومات في منطقة البيضاء يوسع ايضا من دائرة المدى الجغرافي للآثار المتروكة للحضارة النبطية ويجعل من برامج السياحة في الجنوب أكثر جاذبية في حال تم دمج هذا الأثر السياحي المتميز مع برامج السياحة في البترا ويمكن ايضا ربطها مع وادي رم والذي من المتوقع إعلانه موقعا للتراث الطبيعي العالمي خلال السنة القادمة وهذا ما سيحقق نقلة نوعية في الجذب السياحي في منطقة الجنوب او ما يسمى المثلث السياحي (العقبة ، رم والبترا).
المسؤولية الآن تقع على عاتق الدولة الأردنية ممثلة بوزارة السياحة ومفوضية إقليم البترا في تطوير برامج سياحية مستدامة بالتعاون والشراكة الحقيقية مع المنظمات غير الحكومية ذات الخبرة في السياحة والبيئة والتنمية بحيث تحقق أكبر مردود سياحي بدون التأثير السلبي على المقومات الطبيعية لهذه المواقع والتي تشكل العامل الأساسي للجذب ، وما يثير التخوف هو كثرة الحديث عن بناء منتجعات سياحية فخمة في البترا ووادي رم والتي قد تؤسس لجزر معزولة من الثراء والضغط الإنساني على المقومات السياحية الطبيعية. وكلما كان التخطيط السياحي التنموي تشاركيا ومستندا إلى المزايا التراثية والبيئية والطبيعية كانت الفرص أكبر في اجتذاب السياح إلى هذه المزايا الفريدة في الأردن والتي لن تكون رسومات البترا آخرها بطبيعة الحال.
ولكنْ ، هنالك عامل آخر لا بد من التعامل معه بجدية وهو حماية الرسومات والموقع أمنيا حيث تعرض بالفعل إلى ثلاث محاولات تخريب خلال السنوات الثلاث الماضية ، وبغض النظر عن اسباب التخريب فإن هذه الرسومات تشكل إرثا حضاريا أردنيا وعالميا ومن المهم التعامل بمنتهى الجدية مع تحديات حمايتها من العبث.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور