يتحقق التقدم الإداري للمجتمعات الحديثة في العالم بالاعتماد على "المعرفة" كعنصر رئيس للتنمية ، حيث يزداد دور "مجتمع المعرفة" واقتصاد المعرفة في تحقيق الأهداف التنموية للدول والشعوب ، ويندر أن نجد أي تقرير تنموي أو خطة استراتيجية لا تتضمن طموحات الانتقال إلى مجتمع المعرفة ، وعلى المستوى الوطني نتحدث منذ عدة سنوات عن ضرورة التحول نحو اقتصاد المعرفة عن طريق الاستثمار في رأس المال الاجتماعي والإنساني.

وفي الواقع فإن الأردن من الدول الأكثر تقدما في مجال تحقيق "مجتمعات المعرفة" بل يمكن القول بأننا أصبحنا روادا ونموذجا دوليا في مجتمع المعرفة ولكن بطريقتنا الخاصة والفريدة ، مشكلتنا هي أن "مجتمع المعرفة" الأردني هو من أهم أسباب تأخير التقدم والإصلاح في القطاعات العامة والخاصة ، وهو أيضا من أهم القضايا التي ترتبط مباشرة مع المحسوبية والواسطات والفساد.

يتشكل مجتمع المعرفة في الأردن من حقيقة أن "معظم الأردنيين يعرفون بعضهم البعض شخصيا" وهذه المعرفة الشخصية والعلاقات العائلية والاجتماعية هي التي تحكم الغالبية العظمى من القرارات التي يتم إتخاذها في معظم المؤسسات والقطاعات. وبالطبع فإن كل منا شاهد في حياته العملية ، أو شارك في صناعة الكثير من نماذج "تجاوز البيروقراطية والروتين" أو حتى "تجاوز القانون والمواصفات" في تمرير معاملات ومطالبات لا تحمل الشروط المناسبة وذلك بناء على المعرفة الشخصية.

أن جملة "دبرها بمعرفتك" هي من الجمل الكلاسيكية الخالدة في سياق العلاقات بين أفراد المجتمع الأردني ، وهي القاعدة الأولى في ترسيخ "مجتمع المعرفة" في هذا البلد. نحن نعرف أنه لو اجتمع خمسة أردنيين معا في أي موقع فإن كل أربعة منهم يعرفون بعضهم البعض ، وهذه خاصية جيدة اجتماعيا حيث تشير إلى تماسك المجتمع والعائلات والعلاقات الإنسانية الجيدة ولكن عندما تصبح هذه العلاقات هي العامل الأساسي في تحديد قرارات هامة تتعلق بالعمل والتعيينات والعطاءات والمعاملات الرسمية وغيرها من الصفقات المهنية فإننا نكون أمام مشكلة حقيقية في الشفافية.

أن مواجهة الدولة مع الفساد الإداري - في حال كانت موجودة - سوف تصل في نهاية الأمر إلى تلك "الشبكة الاجتماعية من علاقات المعرفة" التي تحكم توجه الناس في اتخاذ القرارات سواء كانوا من المواطنين العاديين أو الوزراء أو حتى القطاع الخاص. أن المعرفة بحد ذاتها ليست عنصرا سلبيا لأنها تساهم في تحديد قدرات وكفاءات الناس ، ولكن المشكلة تكمن في أن يتم توظيف علاقات المعرفة الشخصية أكثر من علاقات المعرفة المهنية في عملية اتخاذ القرار.

نعلم بأنه من الصعب تغيير ثقافة راسخة ومتجذرة في المجتمع مثل ثقافة العلاقات العامة والمعرفة الشخصية التي يتم توظيفها في اختيارات الإدارة ، ولكن على الأقل يمكن أن نبدأ الخطوة الأولى في قيام الحكومة بتطوير آليات وسياسات واضحة في تقليص العلاقات الشخصية في الإدارة العامة والتركيز على العلاقات المؤسسية واختيار الكفاءات بالتركيز على المزيد من الشفافية والتقدم نحو سيادة معايير مهنية صارمة على المعايير الاجتماعية ولكن ذلك يتطاب أيضا قناعة من المجتمع والذي لا زال للأسف أسيرا لفكرة أن اي مسؤول مطالب أمام عائلته وعشيرته واصدقائه بتقديم مصالحهم على المصالح العامة حتى يثبت بأنه مسؤول قوي وفيه خير لأهله. إنها بالفعل معضلة صعبة الحل.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور