بندان رئيسيان كانا على جدول أعمال القمة العربية الاستثنائية في مدينة سرت الليبية أولهما "تطوير منظومة العمل العربي المشترك" وهي خطة اقترحها الأمين العام للجامعة العربية لتطوير آليات العمل في الجامعة وتحويلها إلى اتحاد عربي مع وجود مجلس تنفيذي مكون من رؤساء حكومات الدول ، وذلك على غرار التكتلات السياسية الأخرى مثل الاتحاد الأوروبي.
هذا التطوير النظري ، والذي يبدو حداثيا على الورق لن تكون له قيمة في حال بقيت "منظومة العقل العربي المشترك" على حالها من الإنفرادية القطرية والتشكيك والتنافسية بل وتعطيل الاتفاقيات الثنائية كوسيلة ثأر بين الدول على خلفيات سياسية ، ولهذا نخشى أن هذا التغير سيكون فقط دعائيا وبدون تأثيرات إيجابية على أنماط الإدارة والتنسيق والبرامج المشتركة.
من الطبيعي أن تكون هنالك طموحات عربية بالتقدم نحو نموذج في العمل المشترك يشبه الاتحاد الأوروبي ، بل حتى مجموعة الميركوسور في أميركا اللاتينية أو الآسيان في جنوب وشرق آسيا ولكن الأمر لا يتعلق بالمسميات بل بوجود التزام بمنظومة من القوانين والإجراءات ومعايير العمل المشتركة ، وبوجود الحد الادنى من التقارب في الأنظمة السياسية والاقتصادية.
باجتماع الزعماء العرب في سرت ليس هنالك "عالم عربي واحد" إلا يمعايير اللغة وربما الثقافة ، ولكن في معايير التنمية والاقتصاد هنالك ثلاثة عوالم عربية أما في المعيار السياسي فهنالك على الأقل 22 نظاما مختلفا ، وبدون وجود تقارب وحد أدنى مشترك من الحالات الاقتصادية من الصعب تصور اتحاد عربي فعال. يوجد فارق كبير ما بين دول الخليج العربي الست والتي يصل معدل الدخل الفردي فيها إلى أكثر من 25 ألف دولار سنويا وما بين الدول ذات التنمية المتوسطة والتي تتراوح ما بين 3 آلاف دولار في سوريا و8 آلاف في تونس وبينهما تأتي الأردن ولبنان والمغرب والجزائر ومصر ، وما بين الدول التي تعاني من الفقر والاحتلال والعنف والتي يقل فيها مستوى الدخل عن 3 آلاف دولار سنويا ومنها العراق وفلسطين وموريتانيا واليمن والصومال. أما مستضيفة القمة ليبيا فهي حالة خاصة في التنمية الاقتصادية إذ أنها دولة نفطية ذات موارد طبيعية هائلة ولكن معدل الفرد من الناتج المحلي لا يتجاوز 11 ألف دولار.
في ظل هذه التباينات من الصعب الحديث عن عمل عربي مشترك بدون الحد الأدنى من الجهد المبذول لتجاوز هذه العقبات. أن أهم الأسباب التي أنجحت تجربة الاتحاد الأوروبي هي وجود تقارب في التنمية الاقتصادية نتيجة عقود من تبني سياسات الديمقراطية الاجتماعية كما هو الامر في أميركا اللاتينية والتي تمكنت دولها من التقليص من الفجوة الاقتصادية في السنوات العشر الأخيرة ، وكذلك دول الآسيان التي تشهد نموا ناهضا لا يبدو ديمقراطيا من الناحية السياسية ولكنه ليبرالي اجتماعي اقتصاديا. أما في دولنا العربية فإن ألوان الطيف السبعة تنتشر في أنظمتنا الاقتصادية والسياسية ومن الصعب وجود لغة مشتركة إلا في حال تم العمل الجاد على جسر الفجوة في الواقع والطموحات بين هذه الدول.
هذا لا يعني الإستسلام للأمر الواقع وعدم العمل على إجراء تعديلات وإصلاح في نظام الجامعة العربية ولكن من المهم التحذير بعدم رفع سقف التوقعات قبل إحداث توازن نسبي في التنمية الاقتصادية والإصلاح السياسي والتخلي عن عقلية التنافس القطري التي تحطم العمل العربي المشترك.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور