في السنوات القليلة الماضية تكاثرت المؤسسات المستقلة في الأردن مما حدا بالمراقبين إلى إبداء النقد والتذمر من هذا التوسع الكبير مستخدمين مؤشرا رئيسيا في ذلك وهو مدى تحقيق هذه المؤسسات لعوائد مقارنة بالتكاليف على الخزينة العامة ، مما أدى أخيرا إلى قناعة لدى رئاسة الوزراء بضرورة إعادة دراسة أوضاع هذه المؤسسات واتخاذ قرارات بدمجها وتقليص أعدادها. ولكن هذا لا ينفي أن هنالك مؤسسات نشأت ولها دور مهم جدا وينبغي أن تكون مستقلة عن السلطة التنفيذية والتشريعية وهي لا تدر أرباحا من الناحية الاقتصادية ولكنها تسهم بتطوير الإدارة العامة ومن أهم هذه المؤسسات ديوان المظالم.

ديوان المظالم هو مؤسسة قديمة في الحضارة الإسلامية ونشأت ضمن البيئة الإدارية الإسلامية من أجل إحقاق الحق لدى الحاكم ، وقد بقيت هذه المؤسسة مستمرة وتعرف عليها العالم الغربي في القرن الثامن عشر وتم تأسيس أول نموذج عليها في السويد ثم انتشرت في أوروبا الغربية ضمن سياق سياسات دولة الرفاه الاجتماعي والديمقراطية الليبرالية واصبحت أحد أهم عناصر النزاهة المؤسسية في أوروبا.

فكرة إنشاء ديوان المظالم ظهرت في الأردن للمرة الأولى في الميثاق الوطني 1991 والذي كان بحق سابقا على عصره في الإصلاح ، كما أن له سندا دستوريا واضحا. وكما هو الحال مع كل الأفكار الإصلاحية الجديدة انتظر الديوان طويلا إلى أن أبدت دول أوروبية وأهمها الدنمرك اهتماما بإنشاء هذه المؤسسة في الأردن منذ العام 2007 وبالفعل تم إنشاء الديوان بموجب القانون رقم 11 لسنة 2008 بهدف حماية حقوق المتعاملين مع الإدارة العامة ويضمن لهم تحقيق المساواة والانصاف. ويتيح القانون لديوان المظالم استقلالية وصلاحيات واسعة في متابعة تفاصيل الشكاوى التي يقبل التحقيق فيها والتي لا تهدف فقط إلى استعادة الحقوق بل وكشف أنماط الخلل في الإدارة وعدم تكرارها مستقبلا كما يستقبل ايضا شكاوى بحق البلديات والجامعات الحكومية والمؤسسات العامة المستقلة ويقوم بالتنسيق مع ديوان المحاسبة وهيئة مكافحة الفساد بحيث لا يحدث تقاطع في العمل ويقدم الديوان تقريره إلى رئيس الوزراء وهو مستقل عن البرلمان وهذا من أهم المزايا حتى لا يتعطل عمله في سياق التجاذبات والمصالح التي تسيطر على عمل المجلس.

يقوم الديوان أيضا بدور مهم في إنصاف الإدارة العامة في حال كانت الشكاوى غير منطقية أو أن قرارات الإدارة كانت صحيحة قانونيا مما يوفر الكثير من الاشاعات والحملات غير المدعومة بالحقائق ، كما عمل الديوان على إيجاد حلول مشتركة ما بين الأطراف المختلفة تحقق مصالح الجميع وتحمي القانون كما حصل في مشكلة مستأجري المنطقة الحرفية مع بلدية الرصيفة والذين حصلوا على حقوقهم في العمل بعد أن كانت البلدية تريد ترحيلهم إثر "اكتشافها" أن الارض التي أقيمت عليها المنطقة الحرفية ليست ملكا للبلدية ، حيث تم الوصول إلى تفاهم لتفويض الأرض للبلدية واستكمال عمل الحرفيين.

بقاء ونجاح ديوان المظالم عنصر اساسي في تطوير القطاع العام في الأردن والمطلوب هو المزيد من التواصل من قبل المواطنين والموظفين والمستثمرين مع الديوان لتقديم الشكاوى التي يعتقدون أنها تصحح أخطاء أو تعيد حقوقا لأن النتيجة النهائية ستكون تطويرا في الإدارة العامة ومزيدا من العدالة والإنصاف ، والأردن بحاجة إلى هذه المؤسسة بعيدا عن حسابات الأرباح والدخل الناتج.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور