ندرك جيدا مدى هشاشة الحد الفاصل ما بين الرياضة والسياسة في مواجهات الفيصلي والوحدات طوال السنوات الماضية ، وأن الأبعاد السياسية لأحداث الشغب التي ترافق هذه المباريات عادة ما تحتل حجما كبيرا على مستوى النخبة والرأي العام والاعلام الأردني ، ولكن من المهم أن يتم وضع الأمور في نصابها الصحيح فيما يتعلق بالمشكلة الأخيرة والتي كانت استثنائية في اسبابها ونتائجها ، وحجم الاصابات الكبير والمؤسف بين الجمهور ، ولذلك لا بد من مقاربة القضية من خلال أربعة أبعاد.
البعد الأول هو الادارة الأمنية للمباراة داخل الملعب ، فقد كانت هذه المباراة بالذات من أكثر المباريات هدوءا في الملعب وعلى المدرجات. ومن يتابع هذه المباريات يدرك بأن لاعبي كلا الفريقين وكذلك الجمهور تصرفا بمسؤولية كبيرة أثناء المباراة الأخيرة. وبعد النهاية خرج جمهور الفيصلي (الفريق الخاسر للمباراة) بهدوء من البوابات حسب تعليمات اتحاد الكرة ولم يقم بأية استفزازات لجمهور الوحدات. ولكن المشكلة حدثت داخل المدرجات وما بين قوات الدرك وجمهور الوحدات ، وربما كان ذلك بسبب وجود الطرفين معا لمدة أطول من المطلوب داخل المدرج مما أثار المشاكل وأدى الى مواجهة أجبرت جمهور الوحدات على التوجه نحو الستار الحديدي الفاصل والذي انهار بسبب ثقل الجمهور. وفي واقع الأمر فان انهيار الجدار ربما تسبب بغالبية الاصابات ولكن لا قدر الله وفي حال صموده ربما كانت الاصابات ستكون اسوأ بفعل الاختناق وهذا ما شاهدناه في عدة حوادث في الملاعب العالمية. وفي المحصلة كان يمكن بسهولة ترك جمهور الوحدات يحتفل براحته ويترك الملعب بهدوء وبدون أية ضغوطات.
البعد الثاني يتعلق بالمسؤولية التي تقع على ادارتي الوحدات والفيصلي في الترشيد من التصريحات النارية ومحاولة ضبط الجمهور بكل الوسائل وحتى من خلال منع بعض قادة الشغب وأصحاب الهتافات المسيئة من المشاركة في المباريات وتعديل هيكلية "روابط المشجعين" بحيث يقودها المشجعون الاكثر حكمة والتزاما بدلا من أصحاب الحناجر الصاخبة والرؤوس الحامية.
البعد الثالث يتعلق بوسائل الاعلام والتي لا زالت حتى الآن تتراوح في تغطيتها للمشكلة من محاولة انكار الوقائع الى محاولة صب الزيت على النار واعطاء بعد سياسي مبالغ به لما حدث عن طريق بعض وسائل الاعلام "المستقلة" سواء الفضائية أو الالكترونية والتي لم تثبت الحد المطلوب من المسؤولية المهنية.
البعد الرابع والاهم يبقى البعد الاجتماعي والسياسي العام والذي يجب أن يرتقي لينبذ كل المحاولات التي تعمل على تحويل ساحات الملاعب الى منابر لشرخ الوحدة الوطنية ، ولا يمكن الاستمرار في ترويج وهم أن هنالك "فئة مندسة" تقوم بالمشاكل لأن الحقيقة المؤسفة هي أن الأصوات والهتافات المسيئة تكون عالية جدا بحيث يضطر المشاهد على التلفزيون الى ايقاف الصوت وتمتنع فيه العائلات عن حضور المباريات حماية لأبنائها وأفرادها من التعرض لهذه الموجات من الشتائم المقذعة.
ان اعتبار كل هذه السلوكيات مرفوضة اجتماعيا وغير مبررة هو السبيل الأمثل الى تنظيف الملاعب من الفئة المسيئة ، فنحن نريد أن نستمر في متابعة المنافسة المثيرة بين الفيصلي والوحدات لأنها هي التي تعطي الكرة الأردنية زخمها الحقيقي ولكن من حقنا أيضا أن نطالب الحكومة والمجتمع والاعلام وادارات الأندية بالعمل الجاد على استئصال هذه الاساءات وجعل كرة القدم رياضة نظيفة كما يجب أن تكون.
ولكن المسؤولية الأكبر تبقى ملقاة على عاتق من يصنفون أنفسهم بالمثقفين والنشطاء السياسيين والاعلاميين والذين يقومون أحيانا بالنفخ في نار الفتنة لتحقيق مكاسب سريعة ورخيصة ، وهؤلاء هم الطرف الأسوأ الذي ينبغي أن يتم نبذه من قبل الرأي العام وعدم منحهم الفرصة للصيد في المياه العكرة ، بينما يحاول اصحاب النوايا الطيبة تنقيتها من الشوائب.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور