قبل شهر تقريبا شاركت في حلقة عمل نقاشية حول مستقبل الطاقة في الأردن نظمتها مجلة جوردان بيزنس ، وكان الدكتور خالد طوقان رئيس هيئة الطاقة النووية محاضرا فيها. اثار الدكتور طوقان إعجابي في تلك المحاضرة بالذات لأنه تحدث عن البعد البيئي وعن سياسات الطاقة النووية في الأردن بتفاصيل وانفتاح كان مفقودا في السابق ، وأيقنت بأن الوقت قد حان للدخول في السجال الوطني المطلوب حول هذا الموضوع من دون محاولة فرص الوصاية على الآراء المخالفة. ولكن في نهاية المحاضرة وفي تعليقه الأخير ألقى د. طوقان بما يشبه القنبلة في رده على سؤال حول مصادر المياه المستخدمة لتبريد المفاعل النووي حيث قال "يمكننا ايضا أن نستخدم المياه العادمة"،
خرجت وفي ذهني عدة أسئلة ، فالمكان الوحيد في الأردن الذي توجد فيه كميات من المياه المعالجة التي قد تكفي لاحتياجات المفاعل النووي هو محطة تنقية الخربة السمراء التي تقع في محافظة الزرقاء ، وعلى حدود المفرق. ولم يتطلب الأمر أكثر من ايام معدودة حيث أعلن د. طوقان في الورشة التي عقدتها هيئة الطاقة الذرية لمناقشة المشروع النووي الأردني أن الموقع المقترح الجديد هو في المفرق وأن مياه الخربة السمراء ستكون مصدرا لمياه التبريد وذلك بناء على اقتراحات الشركة البلجيكية التي تقوم حاليا بدراسة المواقع المقترحة للمفاعل. المبرر الرئيسي لتغيير الموقع السابق المقترح في العقبة حسب تصريحات د. طوقان هي موقع العقبة القريب من الفالق الزلزالي مما سيحتم زيادة في تكلفة البناء والصيانة بنسبة %20 لدمج المتطلبات الخاصة بالحماية من الهزات الأرضية.
ولكن موقع المفرق يطرح تساؤلات كثيرة أيضا أولها مدى ملائمة نوعية المياه العادمة المعالجة في التبريد ، وتحديد الكميات التي سيتم تخصيصها للمفاعل (حوالي 22 مليون متر مكعب حسب التقدير الحالي) من كمية المياه الخارجة من المحطة (حوالي 60 مليون متر مكعب حاليا في السنة) والتي يتم معالجتها لاحقا بعد التنقية الطبيعية لها في سيل الزرقاء وصولا إلى سد الملك طلال وخروجا منه نحو الأغوار ، حيث تستخدم المياه في الزراعة ، فهل سيتم تخصيص المياه للمفاعل على حساب الزراعة؟ وهل ستمر في دورة مغلقة في محيط المفاعل أم تعود ساخنة وذات تركيب كيميائي مختلف إلى مخرج المحطة ومن ثم في سيل الزرقاء؟ وكيف يمكن ربط استخدام المياه العادمة للمفاعل مع مشروع تحدي الألفية والذي سيزيد من كمية المياه المعالجة في المحطة؟
أما عن موقع المفاعل في قرية المجدل فهي أيضا مسألة تحتاج إلى نقاش مستفيض يعتمد على الحقائق والبدائل العلمية بنفس الوقت الذي يحترم فيه الخصائص الاجتماعية وقيم المشاركة الشعبية ، فما هي الفوائد والحوافز التي ستجعل المجتمع في تلك المنطقة يقبل بوجود المفاعل؟ في بعض المواقع الإلكترونية حيث يناقش الموضوع يتم استخدام حافز توفير الوظائف كأحد الأدوات الممكنة ولكن إدارة مفاعل نووي ليست مثل إدارة جامعة أو مصنع أو اي استثمار آخر فهي تحتاج إلى خبرات علمية وتدريب كبير وإتقان شبه كامل للعمل حيث ستكون معايير الإختيار تعتمد على الكفاءة والخبرة أكثر من الموقع الجغرافي. وفي حال تم اتخاذ قرار بتوفير نسب معينة من الوظائف للسكان القريبين من المنطقة فإن ذلك يتطلب مزيدا من الإستثمار في بناء القدرات وتطوير خطة تنموية وتعليمية شاملة في المنطقة لاختيار أفضل الكفاءات الموجودة.
على كل حال فإن موضوع البرنامج النووي الأردني بات يخرج من النقاشات الأكاديمية والفنية المغلقة وينتقل إلى الحالة المطلوبة من المشاركة العامة والتي تعتبر جوهرية في القبول الشعبي العام لهذا المشروع قبل البدء به ولا شك أن جزئية تحديد الموقع هي الخطوة الاساسية في هذا النقاش المطلوب ، وقد انطلقت الكرة ولا مجال لإعادتها إلى خارج الملعب الآن.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور