سيشهد العالم اليوم انضمام دولة جديدة الى صفوفه ، بينما سوف يخسر العالم العربي رقعة جغرافية جديدة. نتيجة الاستفتاء القائم اليوم في جنوب السودان شبه محسومة منذ اشهر ، لأن خيار الانفصال هو الذي يحظى بدعم الغالبية العظمى من سكان جنوب السودان والذين وصلوا بعد سنوات من الحروب الى قناعة بالانفصال. نفس الشعور يبدو أنه ترسخ في الشمال حيث جاءت زيارة الرئيس السوداني الأخيرة الى جوبا وكأنها زيارة الوداع ، معلنا للجنوبيين أنه "سيحتفل معهم" بعد الانفصال ، في اشارة الى أن الخرطوم سوف تتخلص مما تعتبره عبئا يواجه الهدف الرئيسي للنظام السوداني في تطبيق الشريعة الاسلامية.

انفصال جنوب السودان اليوم سيكون حدثا حزينا في التاريخ العربي ، وسوف يتجه اللوم بشكل رئيسي الى المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة لسببين اساسيين. السبب الأول هو تشجيع ودعم النزعة الانفصالية سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا والسبب الثاني هو الاهتمام الذي ابداه المجتمع الدولي بدعم انفصال جنوب السودان ، ومن قبله تيمور الشرقية عن اندونيسيا مقابل العجز التام الذي يبديه نفس المجتمع الدولي في اعلان الدولة الفلسطينية المستقلة وانهاء الحالة الوحيدة من الاحتلال العسكري في العالم والقائمة منذ عقود.

هنالك كل الأسباب المنطقية لهذا الشعور العربي بالغضب ، ولكن من المهم أيضا التذكير بأن وصول سكان جنوب السودان الى القناعة بالانفصال جاء نتيجة سوء ادارة الأزمات من قبل الشمال والذي لم يتعامل مع سكان الجنوب كمواطنين في دولة قانون حديثة. ولعل أهم العوامل نحو الانفصال كانت مذبحة دارفور والتي تعرض لها مئات الآلاف من الجنوبيين على يد سفاحي الجنجويد. وهي المذابح التي فتحت أعين المجتمع الدولي على هذا الوضع البائس ، بعد التجربة المروعة في رواندا حيث تسبب تردد المجتمع الدولي في ايقاع مذابح عرقية هائلة. أما السبب الآخر فهو ظهور النفط والموارد الطبيعية بكثرة في الجنوب والذي أثار جشع الشركات الدولية للحصول على حقوق الاستثمار والتي تحتاج الى "نظام سياسي مساند" لم تكن الخرطوم توفره ، بل النظام الجديد في جنوب السودان.

هنالك تحديات شديدة سوف تواجه السودان بشماله وجنوبه منذ اليوم. جنوب السودان سيمر في أشهر حاسمة سوف تحدد فيما اذا كانت الدولة الجديدة ستحقق متطلبات الديمقراطية والادارة الحديثة أم أنها ستكون مشابهة لمعظم الدول الافريقية في سيادة نظام حكم دكتاتوري ينهب الموارد لمصلحة الشركات الدولية ويخضع شعبه لقمع متواصل. أما الشمال فسوف يواجه مشاكل ادارة دولة خسرت نسبة كبيرة من مواردها وشعبها ، وخاصة فيما اذا استمر التوجه نحو تطبيق الشريعة والذي لا تتفق معه كافة القوى السياسية ولا المجتمع السوداني وما نخشاه أن هذا التوجه سوف يخلق أجواء من المشاكل والتوتر الداخلي في السودان تجعل البلد ينغمس في مرحلة جديدة من التدهور.

باختصار ، ينبغي على الخرطوم وجوبا ، وبعد أن ودعتا بعضهما أن تبدآ بتطبيق أنماط حكيمة من ادارة الدولة تحقق لشعوبها الرخاء والتنمية والسلام واستثمار الموارد الطبيعية الهائلة في البلدين ، وتكفي هذه العقود من المعاناة والحروب التي لا يستحقها الشعوب السوداني والتي لم تحقق في النهاية الا خسارة الطرفين.

أما الشعب الفلسطيني فهو سينظر بمزيد من الغضب الى هذا التطور الذي يؤكد أن ما يسمى المجتمع الدولي يستطيع في حال امتلك الارادة الكافية أن يتدخل في منح الناس خيارات المستقبل السياسية ، ولكن فقط من خلال الاستقواء على دول مثل السودان ومواصلة الهروب من الضرورة الحتمية في مواجهة اسرائيل.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور