مع تشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة في تونس ، والتي تسيطر عليها رموز التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم ، وبعض أحزاب المعارضة يبدأ البلد الذي اصبح رمزا لرومانسية الثورات الشعبية في العالم العربي خطوته الأولى نحو المستقبل. وحتى الآن ليس من المعروف فيما إذا كانت تجربة الأشهر القادمة سوف ترسخ الصورة النمطية الرومانسية للثورة التونسية أم أنها ستقدم بديلا لا يوفر الجاذبية المطلوبة للرأي العام العربي.

نقطة الانطلاق في تحليل الثورة التونسية بهدوء تتمثل في الإجابة عن السؤال الرئيسي: لماذا تونس؟ ومع أن الكثير من المقالات أسهبت في وصف الاستبداد والفساد في عهد الرئيس السابق فإن أسئلة أخرى لا زالت في مهب الريح ودون إجابات ، فلماذا انتفض الشعب التونسي فجأة وبكل هذا الزخم المؤثر بعد سنوات طويلة من الصمت الكئيب على ممارسات الاستبداد ، وما هي العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي جعلت هذه الانتفاضة ممكنة؟ يمكن الحديث هنا عن 4 قضايا رئيسية.

القضية الأولى أن نظام الحكم التونسي السابق ، وبالرغم من استبداده قد تمكن من توفير خدمات اجتماعية واقتصادية اساسية للمواطنين التوانسة بحيث كانت مؤشرات التنمية في تونس وطوال السنوات الماضية هي الأفضل عربيا (بعد دول الخليج) في الجزئيات الخاصة بالتعليم والابتكار والتوظيف وغيرها ولكنها كانت مؤشرات هزيلة وسيئة في الحريات العامة. في هذا المناخ كان معظم المعارضين السياسيين التوانسة يواجهون مصائر السجن أو النفي ، بينما مضت النسبة الأكبر من الشعب في تأمين معيشتها وحياتها في إطار عام من التنمية الاقتصادية التي بدا أنها متنية ولكنها كانت خادعة.

القضية الثانية أن نظام الحكم ومن أجل تبرير قبضته الحديدية استخدم "فزاعة الإسلاميين" والتخويف من الانقلاب على القيم الاجتماعية المدنية في تونس في حال زاد تأثير الإسلاميين في السياسة والمجتمع وأصبحوا أصحاب قرار وبالتالي تم الزج بآلاف الإسلاميين في السجن ونفي الباقين ، مع أن الخطاب السياسي الإسلامي في تونس هو الأكثر تطورا ومدنية بين كافة الخطابات الإسلامية في العالم العربي ، ويعتبر راشد الغنوشي منظر وقائد الحركة الإسلامية من أهم المفكرين الإسلاميين الذين دعوا إلى التوافق بين الدولة المدنية والإسلامية.

القضية الثالثة هي أن الصمت الكئيب الذي سيطر على حياة التونسيين بدأ بالتغير عندما ازدادت الضغوطات الاقتصادية على الشعب التونسي كما زادت حالات الفساد المنهجي الذي قادته عائلة زوجة الرئيس والذي استهدف النخبة السياسية والاقتصادية التونسية في عمليات نهب للممتلكات والاراضي والشركات وترسيخ نظام مافيا حقيقية للابتزاز والرشاوى. وقد ساهم هذا الفساد في استفزاز نسبة كبيرة جدا من التونسيين والتي كانت في السابق "راضية نسبيا" عن تجاهل الاستبداد السياسي مقابل توفر فرص عمل واستثمارا ونموا اقتصاديا حيث اصبحت كل المكتسبات التنموية والاقتصادية مهددة. هذا بدوره نقل الطبقة الوسطى التونسية من وضع الأغلبية الصامتة إلى وضع الأغلبية الغاضبة والتي تدافع عن حقوقها في وجه مؤسسة الفساد المنهجي متزايد التأثير ، واضاف زخما كبيرا إلى قاعدة المعارضة الشعبية التي كانت تقتصر على المعارضة الايديولوجية محدودة التأثير وجاءت حادثة انتحار الشاب الجامعي عزيز النفس والمعرض لقطع رزقه البسيط بمثابة الشرارة التي حركت غضب الطبقة الوسطى والنخبة المثقفة في تونس.

القضية الرابعة هي ثقة التونسيين بوحدة المجتمع ، فبعد عقود طويلة من سياسات فعالة لتأسيس وحماية مجتمع متماسك ضمن دولة مدنية بعيدة عن الطائفية والقبلية يشعر المجتمع التونسي بأنه موحد اجتماعيا وأن الانقسام الوحيد فيه هو ما بين طبقة الفساد وما بين المجتمع ككل ، وبالتالي لم يكن هنالك خوف من وقوع المجتمع التونسي في فخ الانقسام الطائفي والقبلي كما في كل الدول العربية الأخرى تقريبا والتي لم تنجز مشروعا ناجحا لبناء دولة حقيقية. ولهذا لا يمكن تصور نموذج عراقي أو لبناني في تونس بعد غياب السلطة ، كما أن العديد من المجتمعات العربية الأخرى وذات الظروف الاقتصادية والسياسية التي تعتبر أسوأ من الحالة التونسية تخشى المغامرة بحراك سياسي قد يؤدي إلى فراغ في السلطة تكون نتيجته السقوط في حالة مرعبة من الصراعات الأهلية التي تدمر المستقبل.

تبقى الدروس المستقاة من تونس في حالة تشخيصها بطريقة دقيقة وبعيدة عن العواطف مفيدة جدا لبقية الدول العربية كما أن تطورات الاشهر القادمة في تونس ستكون في غاية الأهمية.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور