ربما لا يمثل تكليف الدكتور معروف البخيت رئيسا للوزراء في هذه المرحلة الحساسة "تغييرا ثوريا" في أسماء رؤساء الوزارات كما كان يتوقع ، ولكنه يشكل اختيارا منطقيا ومتوازنا في ظروف المرحلة الحالية والتي تحتاج إلى رئيس وزراء يمتلك المزايا التي يتمتع بها معروف البخيت ، ولكن بشرط أساسي وهو أن يتم السماح له بالعمل المنهجي ضمن مناخ مريح. ربما تتمثل أهمية الملاحظة الأخيرة في حقيقة أن البخيت وفي تجربته الأولى كرئيس للوزراء تعرض للكثير من الإعاقة والتعطيل والإرباك بسبب مناخ الاستقطاب بين مراكز القوى في تلك الفترة السلبية في الحياة السياسية الأردنية وهي فترة ساهمت بشدة في التدهور نحو تآكل الثقة في الكثير من المؤسسات الرسمية ونمو مؤسسات موازية خارجة عن نطاق ولاية الحكومة.
خمس مزايا يمتلكها معروف البخيت يمكن أن تساعده في تحقيق النجاح في مهمته الصعبة. الميزة الأولى هي النزاهة والتي يجب أن تكون القيمة الأساسية لإدارة الدولة الأردنية في الفترة القادمة ودائما ، لأن تراجع الثقة الشعبية بأداء المؤسسات العامة سببه تغييب معايير النزاهة عن أدوات الإدارة واستسهال الفساد وتجاوز القوانين ، ويمكن أن يساهم البخيت وهو ابن الطبقة الوسطى وصاحب قناعة حقيقية بالتواضع في إعادة الثقة بأداء مؤسسات الدولة.
الميزة الثانية هي وجود خبرة سياسية ودبلوماسية عالية لدى البخيت وبخاصة في الملف السياسي الإقليمي والمرتبط بخيارات مستقبل العملية السلمية والدولة الفلسطينية والتي تحتاج إلى رئيس وزراء يمتلك الخبرة في تفاصيل المفاوضات المعقدة وحماية المصالح الأردنية وله علاقات متينة بدوائر صناعة القرار سواء في السلطة الفلسطينية أو الولايات المتحدة أو حتى إسرائيل.
الميزة الثالثة هي وجود رؤية سياسية واقتصادية لدى البخيت والذي من المفترض ألا يقبل بتسيير شؤون الدولة فقط بل أيضا وضع خطته نحو الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتي أوضحها في محاضرته المتميزة بعنوان "خارطة طريق نحو الإصلاح" والتي ألقاها في نهاية العام الماضي وتمثل رؤية متكاملة يمكن أن تحقق الكثير من التقدم الإصلاحي في حال تم تنفيذها بالشكل المناسب. وفي الواقع فإن هذه المحاضرة تحمل الكثير من المضامين التي يجب التركيز عليها في مقالات قادمة.
الميزة الرابعة والتي نصفها بالعامية هي أن البخيت رجل "مدعوك" بمعنى أنه مر بتجارب كثيرة في المؤسسة العسكرية والسياسية وهو من الطبقة الوسطى وشق طريقه في العمل السياسي والدبلوماسي بكفاءته وواجه الكثير من المواقف الصعبة ولم تكن الدنيا متاحة له منذ الولادة ، وهذه التجارب هي التي تصقل الشخصية وتجعل المرء قادرا على تقدير العواقب وكذلك احترام المنجزات والمكتسبات التي لا تتحقق بسهولة.
الميزة الخامسة تتعلق بكون البخيت سياسيا غير إشكالي ولا يحمل آراء استفزازية وهو قادر بسهولة على التحاور مع الآخرين واحترام وجهات النظر المختلفة بدون وجود ادعاء بالحكمة المطلقة ، وهي من الخصائص الهامة لبناء الثقة مع كافة الشركاء السياسيين والاقتصاديين في المرحلة القادمة وخاصة مجلس النواب.
ما يحتاجه البخيت هو حرية العمل بدءا من حرية اختيار الوزراء وخاصة الفريق الاقتصادي الذي يجب أن يكون متمكنا وخبيرا وواعيا بكيفية التخطيط الإستراتيجي للخروج بالاقتصاد الأردني من أزمته الحالية ، كما نتمنى أن يتم تحقيق التكامل ما بين الوزراء السياسيين الخبراء والوزراء التكنوقراط البعيدن عن البزنس والذين يمثلون ضرورة حتمية لإدارة الوزارات الفنية. ولكن الاهم من ذلك هو منحه فرصة لا تقل عن سنة واحدة بدون مناكفات من الصالونات السياسية او الشخصيات المستوزرة أو المسؤولين السابقين الذين ينتقدون كل ما يحدث بعد أن يتركوا مناصبهم.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور