أكتب هذه الكلمات بغضب شديد ، وسأعيد قراءتها عدة مرات قبل أن أرسلها للنشر ، لأننا في مرحلة نحتاج فيها إلى أن نتحدث بصراحة ووضوح ، غضب من غضب ورضي من رضي. القضية التي نتحدث عنها هي مستقبل الأردن بلدنا الذي نحبه ولا يوجد لدينا غيره ، وهو المستقبل الذي نريد لأولادنا أن يعيشوا فيه ونحن نعمل على صنعه الآن ويجب أن نتحمل في ذلك مسؤولية كبيرة.
اشعر بغضب عندما أرى هذا الوطن والذي بناه أجدادنا وآباؤنا بعمل والتزام وإخلاص متواصل وهو يتعرض إلى حالة غير مسبوقة من التجرؤ على صورته وقيمه وعلى مبادئ الدولة التي نحترمها جميعا. لا يوجد أردني واحد إلا وشعر بالاسى عندما يشاهد خبرا على قنوات فضائية عن تعرض مشاركين في مسيرة سياسية للضرب من قبل أشخاص مندسين بالعصي ، ولكن بنفس الوقت نشعر باسى ونحن نقرأ بعض البيانات والتصريحات والتي تنال من وحدة هذا البلد والقيم التي نشأ عليها أو تتضمن تهديدات بنزع الاستقرار.
نحن بحاجة إلى الإصلاح السياسي ورأس الدولة الأردنية جلالة الملك يقول هذا ، بل كان السباق في دعوته للإصلاح منذ سنوات وهي دعوة تجاوبت معها الحكومات السابقة وكذلك المجتمع والقوى السياسية بالبطء الذي أوصلنا إلى هذه الحالة. نحن نريد أن نصل إلى توافق وطني حول مقومات ومراحل وأهداف الإصلاح المطلوب وهذا يحتاج إلى طرح كافة الافكار الموجودة على الساحة السياسية ومناقشتها بهدوء وعقلانية وليس تحت هذا الجو المستمر من الضغط والمطالب المنطقية وغير المنطقية. نحن بحاجة إلى أن نناقش القضايا في المنابر المؤسسية في الأردن وليس في الإعلام الخارجي. لا نريد كتبة مأجورين يزاودون علينا بالولاء ولا نريد تقارير تدس السم في الدسم وتساهم في انقسام المجتمع بل نريد أن نبني ما هو أفضل لمستقبل البلد.
كيف يمكن لأحد أن يقبل بيانا صدر عن جمعية جديدة وهي تصف تاريخ الأردن بأنه مؤامرة استعمارية وغير شرعية ولا تجد في كل هذه السنوات من البناء والعطاء والعرق والدم وقوة العقول والسواعد الأردنية اي بعد إيجابي يستحق التقدير فأي خير للوطن يرتجى في مثل هذا التفكير؟ كيف نثق بمن يطالب بالإصلاح وهو لم يتبرع بيوم ولا فلس واحد في مساعدة الفقراء وفي دعم التنمية في المحافظات الأردنية؟ كيف نقبل مطالبات باستباحة قوة الدولة وقوانينها لمصالح خاصة وكيف نقبل بمن يحاول إلصاق مبررات إقليمية بكل الدعوات الصادقة من أجل تصحيح الخلل وتصويب المسار؟ نطالب بإصلاح سياسي يتضمن تعديلات دستورية وحكومات منتخبة وهذا لن يتم بين يوم وليلة ويحتاج أولا إلى توافق وطني حول ذلك لأن من يصدر البيانات ويقود المسيرات لا يمثل كل الشعب الأردني. ولكن حتى في حال تم التوافق على انتخاب الحكومات فهذا يحتاج إلى تعديل لقانون الانتخاب وإدخال مبدأ القائمة النسبية ووجود أحزاب قوية ومن ثم خوض الانتخابات والوصول إلى أغلبية نيابية لحزب واحد أو ائتلاف حزبي. وكل ذلك في حال تم التوافق الوطني عليه يحتاج إلى وقت وجهد ونقاش وتفكير مسؤول ، وليس إلى المزيد من المسيرات والبيانات التي سوف تؤدي في نهاية الأمر إلى احتمال كبير لفقدان السيطرة على ضبط تفاصيل الحراك الشعبي والسياسي حيث تصبح المسيرات والبيانات والظهور الإعلامي هو الهدف وليس الأداة نحو تحقيق الإصلاح.
هذا ليس الأردن الذي نعرفه وليس الأردن الذي نريده لأولادنا.
نريد دولة قوية متماسكة يسودها القانون والعدل والمساواة ويغيب عنها الفساد والمحسوبية بكل أشكاله وأنواعه القديم منها والحديث. نريد دولة لجميع المواطنين تكون فيها الفرص متساوية ومتكافئة ويعاقب فيها الفاسد ويكافأ فيها المخلص وتكون مبنية على النزاهة والجدارة. نريد حلولا لمشاكل عويصة تنتظرنا مثل المديونية وعجز الموازنة والفقر والبطالة والمياه والطاقة والغذاء ومؤامرات تصفية القضية الفلسطينية وغيرها من المشاكل التي تحتاج إلى تعاون الجميع وإلى جبهة داخلية قوية وليس المزيد من التفرقة السياسية والاجتماعية والتباين الاقتصادي.
حمى الله الأردن من كل المتربصين به ، في الداخل وفي الخارج.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور