لا بد من شكر مدير دائرة الآثار العامة الدكتور زياد السعد على كشفه لواقعة «اختفاء» مجموعة قد تكون من أهم الآثار في تاريخ الأردن وحلولها في يد تاجر آثار هاوٍ من النقب ويحمل الجنسية الإسرائيلية، وذلك من حوالي عدة أشهر. ولكن الصراحة تقتضي القول بأن ما ورد في تصريحات السعد يفتح أبوابا للأسئلة أكثر مما تم الإجابة عليه، وربما كان هو أيضا في وضع لا يسمح له بعرض تفاصيل المسؤولية في وقت مبكر من التحقيق.
هنالك قيمة تاريخية هائلة لهذه الآثار، فهي تتكون من 70 كتابا من صفائح الرصاص اضافة الى لفائف وألواح من النحاس أرخت للقرن الأول الميلادي، اي انها تعود الى العصر والفترة المسيحية المبكرة وقد تم إعدادها من قبل المسيحيين الأوائل إبان الاضطهاد الديني، حيث من المعروف تاريخيا ان المسيحيين الأوائل قد هربوا من الاضطهاد الروماني باتجاه الشرق الى الأردن، ولاهمية هذه المخطوطات فقد اخفيت وختمت حفاظا على سرية هذه التعاليم. ويعود عمر هذه الصفائح إلى حوالي 2000 عام وأحدها يحتوي على رسمة لرجل ملتح يعتقد بأنها قد تكون الرسمة الأولى للسيد المسيح عليه السلام وهي قد تكون أهم من مخطوطات البحر الميت والتي قام الراعي الذي اكتشفها ببيعها إلى تجار إسرائيليين منذ ستينيات القرن الماضي.
من المؤسف والمخجل أن تخرج مثل هذه الآثار من الأردن بدون أن يتم توثيقها وتخزينها في دائرة الآثار. ما نعرفه نظريا أن كافة أعمال التنقيب عن الآثار والتي تتم في الأردن من خلال مؤسسات أردنية أو مؤسسات أجنبية تتم بتصريح ورقابة تامة من الدولة ممثلة بدائرة الآثار العامة. السؤال الأساسي هنا يتعلق بشرعية التنقيب الذي تم في منطقة الشمال وتضمن اكتشاف هذه الآثار فهل كان التنقيب بموافقة دائرة الآثار العامة، وهل قام المنقبون بإطلاع الدائرة على المكتشفات وهل دخلت هذه الآثار اساسا في سجل الدائرة أم أنها اختفت بدون أن تعرف الدولة شيئا عنها؟
التصريح الذي أعلنه الدكتور السعد يعتمد بشكل كبير على صفة المبني للمجهول حيث يقول « سرقة هذه القطع الاثرية تمت وفق حفريات اثرية غير شرعية في احد الكهوف في شمال الأردن وبعد اكتشافها تم تهريبها لتصل الى يد احد الاسرائيليين المختصين بتجارة الآثار الذي ارسلها بدوره الى بريطانيا ليتم دراستها وفحصها من قبل احد المختصين بعلم الآثار في جامعة كامبريدج الذي قام باخبار الجانب الأردني بها».
في حال رضينا بالتفسير القائل بجهل الدولة التام لما حدث وحدوث التنقيب والتهريب بعيدا عن أعين دائرة الآثار العامة وكافة الباحثين والمسؤولين الأردنيين في دولة تتميز بقدرات أمنية عالية، سيعود الفضل في معرفتنا إلى ضمير يقظ للمختص البريطاني ديفيد إلكنجتون الذي قام التاجر الإسرائيلي بإرسال عينة من الآثار المكتشفة إليه بغية التحقق من اصالتها، فقام الخبير الأصيل بإطلاع الأردن على وجود هذه الآثار بطريقة غير شرعية لدى الإسرائيلي.
وفيما نصارع من أجل معرفة الطريقة التي تمت بها «سرقة» أو «تهريب» أو «بيع» هذه الآثار إلى خارج الأردن، وهل تعتبر قضية فساد لا بد من فتحها وربما معها الكثير من تفاصيل تهريب آثار أردنية إلى الخارج في السنوات الماضية ينشغل العلماء بمحاولة دراسة وفك النصوص الموجودة في هذه الصفائح. ووفق خبر نشره موقع «لايف ساينس» المختص بالعلوم قبل يومين فإن أحد المترجمين الآراميين قد حصل على صور لبعض هذه القطع وحاول ترجمة اللغة الآرامية فيها ووجد أن هنالك معلومات متناقضة في هذه النصوص وأن بعضها يحتوي على نصوص نبطية. وقد اشار عالم يوناني من جامعة أوكسفورد أيضا إلى أن النصوص غير منطقية وتحتوي على أخطاء تاريخية. وعلى النقيض من ذلك فإن ديفيد إلكنجتون نصير الأردن في هذه القضية يؤمن بشكل قاطع بأن هذه الصفائح هي أصيلة وأنها مكتوبة من قبل أوائل الطوائف المسيحية منذ الفي عام تقريبا وهي تتضمن نصوصا حول قيامة المسيح.
هذا درس لنا في أهمية زيادة الرقابة على كل النشاطات الأثرية وضرورة اعتبار دائرة الآثار العامة دائرة وطنية حساسة تتضمن أفضل الكفاءات الأردنية النظيفة والنزيهة والتي لن تسمح بأي خروج عن المصلحة العامة وأن تزيد أهمية التوعية والتثقيف للمواطنين العاديين في ضرورة إبلاغ دائرة الآثار العامة عن أي اكتشاف أثري بالصدفة من أجل توثيقه وطنيا، بدلا من مطاردة الآثار الأردنية الضائعة أو المهربة أو المباعة في العالم.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور