بالرغم من أن سيناريوهات الاحتجاجات العربية تتباين بين دولة وأخرى، وتصل في بعض الأحيان إلى إزاحة النظام والرئيس، فإن هنالك مراحل تبدو متشابهة ما بين التحركات الأولية والنتائج المرحلية. وفي كل الحالات هنالك نقطة واحدة تصل فيها الاحتجاجات إلى مرحلة اللاعودة حيث تنتهي تماما أية بقايا للثقة أو التقبل من قبل الجماهير للنظام القائم وترتقي المطالب من مرحلة المطالبة بالحريات والإصلاح إلى تغيير النظام.

في تونس حدثت نقطة اللاعودة عندما تزايد القمع الأمني للمحتجين وخاصة في العاصمة بعد أسبوعين من الاحتجاجات في الأطراف، وفي مصر يتفق معظم المتابعين على أن نقطة اللاعودة كانت في «موقعة الجمل» التي قام بها أنصار النظام ضد المحتجين في ميدان التحرير وهي التي أنهت أي تعاطف كان مع الرئيس السابق. وفي ليبيا حدثت نقطة اللاعودة في القصف الوحشي لمدينة بنغازي والتي تمردت على نظام القذافي وتبعتها المدن الأخرى، أما في اليمن فقد حدثت نقطة اللاعودة في حادثة إطلاق النار من قبل القناصة ضد المتظاهرين قبل حوالي شهر، ومما قام به الرئيس اليمني الحالي من جهود في حشد أنصاره في مظاهرات متتالية فهو لن يتمكن من مواجهة المد الرافض لبقائه على السلطة. ويمكن القول في هذا السياق أن الأحداث المأساوية في سوريا يوم الجمعة كانت نقطة اللاعودة ما بين الماضي والمستقبل والذي يبدو مقلقا جدا في ضوء عدم استيعاب المؤسسة الأمنية في سوريا لتفاصيل التغيير الحاصل وخروج الخوف بشكل نهائي من قلوب المواطنين.

في البحرين لم تتكرر هذه الحالة لأسباب مختلفة منها الأخطاء التي ارتكبتها المعارضة في مطالبتها بتغيير النظام ورفض الحوار في مرحلة مبكرة جدا ومتأثرة بخطاب طائفي مما أثار قلق المحيط الإستراتيجي للبحرين وربما كان ذلك في مصلحة البحرين في نهاية الأمر بالرغم من شدة وقسوة النتائج المتمثلة في الكثير من الضحايا والمعتقلين. ولكن البحرين بحاجة ماسة إلى التصالح مع الذات بسرعة وعدم السماح بالاقتصار على حل أمني لأزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية عنوانها الأساسي هو المساواة وحقوق المواطنة بين كافة البحرينيين بلا استثناء.

في الأنظمة البرلمانية الملكية (الأردن والمغرب) تمكنت السلطات وقيادات الدولتين من التعاطي الإيجابي مع المطالب الجماهيرية من خلال تسريع حركة إصلاح موجودة أساسا قبل المظاهرات العربية. حيث استفادت الأردن والمغرب من وجود قنوات اتصال سياسية مفتوحة ومؤسسات حزبية ومنابر للتعبير عن الرأي ساهمت كلها في استيعاب وتأطير الحراك الشعبي نحو نتائج ومخرجات إصلاحية تستجيب لطموحات المواطنين بالمزيد من المشاركة في إدارة الدولة ومكافحة الفساد ضمن تمسك واضح بالنظام الملكي. وفي حال استمرت هذه المعادلة باحترام الرأي العام والمضي قدما في الإصلاح ومقاومة قوى الشد العكسي فإن كلا من الأردن والمغرب بمأمن من الوصول إلى نقطة اللاعودة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور