تجادل النخب السياسية اليوم بشراسة، وتسوق أمثلة صحيحة لتحصل على نتائج مضللة، وتنفخ في القصص والأحداث، وتجلب الإعلام والضجيج لأجل مقولتين: الدفاع عن نفسها ومكتسباتها (غير المشروعة) في النفوذ والفرص والهيمنة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والتقليل من نسبة وشأن هذه المكاسب وتوريثها؛ والتأكيد على أن المجتمع الأردني في بنيته الثقافية والاجتماعية، يرفض الإصلاح والعدالة والرابط القانوني، ويتمسك بل ويطالب بالروابط القرابية وبالأسلوب الريعي والرعائي في توزيع الفرص والموارد.
صحيح أن المجتمع في اتجاهاته الثقافية وأسلوب حياته مسؤول مسؤولية رئيسة عن العنف المجتمعي، والشجارات الجامعية، والتشكل العشائري لأجل الانتخابات والمكاسب السياسية والاقتصادية، والتهرب من الالتزامات القانونية والضريبية، والغش في الامتحانات، والعمل والسلوك الاجتماعي المناقضان للتمدن والقانون في الطرق والمناسبات الاجتماعية وفي الثقافة والسلوك... ويمكن بطبيعة الحال سرد قائمة طويلة ومعقدة من التقصير والضعف المجتمعي. ولكن من الملوم في عدم استقلال المجتمعات وعدم تمكينها من المشاركة في المسؤولية والارتقاء بسلوكها ومواردها؟ ولماذا بقيت المجتمعات بعد تسعين سنة من قيام الدولة الحديثة، عاجزة عن إدارة وتنظيم نفسها وأولوياتها واحتياجاتها وعلاقاتها بالدولة والقطاع الخاص؟
هل كانت النخب السياسية والاقتصادية تنتمي إلى مجتمع آخر مختلف؟ وهل جاءت من بيئة أخرى؟ وهل حصلت على فرصها ومكاسبها القائمة والمتوارثة والمتنامية والمتجددة، بعرق جبينها وفي تنافس عادل؟ لماذا لم تفعل -وهي التي كانت تدير المؤسسات التعليمية والصحية ومؤسسات الدولة وشركاتها وخدماتها ومواردها- على تشكيل مجتمع أكثر حداثة، وبناء طبقة واسعة من أصحاب المهن والقادة، وتوسيع فرص التعليم الجيد والابتعاث والتدريب؟ لماذا احتكرت هذه الفرص من أموال الضرائب والموارد العامة؟ لماذا لم تطور التعليم الذي ظلت تهيمن عليه طوال تاريخ الدولة لأجل بناء مجتمعات وطبقات حداثوية في مهاراتها وقيمها وروابطها؟ ماذا تقدم مدارسنا وجامعاتنا اليوم من ثقافة سياسية ومدنية وفلسفة وفنون وإبداع ومهارات الحياة الحديثة المتقدمة؟
اليوم، ونحن نواجه استحقاقات الإصلاح التي لم يعد ثمة مفر منها، ونفكر في مستقبل البلاد، تطل علينا التحديات نفسها التي كانت قائمة العام 1921، مضافا إليها الخراب الثقيل والمتراكم الذي مارسته النخب السياسية في المدن والأسواق والمؤسسات وقيم العمل والتنافس والاستهلاك، وفي تشويه وتدمير العلاقات بين الدولة والمجتمع والسوق والمدن.
اليوم، نفكر كما كان يجب أن نفكر أو فكرنا قبل قرن من الزمان في تحديات التعليم المتخلف، وتمكين المرأة التي ما تزال لا تحصل على حقوقها في الإرث والعمل والأجور؛ وفي التحديات الاجتماعية والصحية التي تعوق الإنتاج والتشكل الاجتماعي المديني الملائم للتحديث ودولة ومجتمعات القانون. ولكن معركتنا اليوم أشد بأسا وألما، لأننا في مواجهة نخب تحمي التخلف بذكاء تحسد عليه، وإمكانات هائلة لصناعة وتطوير التخلف والريعية والرعائية!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد